image
imagewidth (px) 612
612
| text
stringlengths 93
1.64k
| source
stringclasses 1
value |
---|---|---|
وأسوق مثلًا آخر وأخيرًا، لاختلاف الرأي الموهوم، حين تختلف العبارات في لفظها، حتى إذا ما أمعنت النظر في مدلولاتها، ألفيتها تستهدف هدفًا واحدًا، والمثل الذي أسوقه هو اختلاف القائلين بالفردية والاجتماعية، ففي ظني أنه لو ترك التقابل بين الطرفين هكذا مطلقًا من القيود، لأفرغناه من معناه، فالمعنى الحقيقي المقصود هو ألا ينشط الفرد في ميادين العمل والفكر إلَّا بما عساه أن يخدم المجموع، لكن هذا نفسه لا ينفي أن يكون الفرد في نشاطه فردًا، وإنما هو مطالب بنوع معين من النشاط الذي يحقق به فرديته والذي يفيد المجتمع في الوقت نفسه، إذ قد ينشط الفرد بما يهدم المجتمع، وإذن فليس الشرط هو ألا ينشط الفرد من حيث هو فرد، بل الشرط هو أن يوجه نشاطه الفردي نحو خدمة الناس، افرض أن الفرد الذي نخاطبه بهذا الكلام يحترف مهنة الحكم في لعبة الكرة، فكيف يمكن أن يمارس حرفته إلا من حيث هو فرد؟ لهذا فنحن لا نطالبه بأن يحد من فرديته، بل نطالبه بأن يوجه نشاطه الفردي في أدائه لحرفته نحو هدف معين | hindawi |
|
نحن تعودنا تقسيم الكلام إلى منظوم ومنثور، وعندما نقرأ نثر عبد الحميد ونثر ابن
المقفع تُلهمنا هذه القراءة فكرة جديدة، فتقسيم الكلام إلى منثور ومنظوم لا يغني كثيرًا
من الناحية الأدبية.
ذلك أننا، عندما نقرأ عبد الحميد وابن المقفع، نجد في أنفسنا من اللذة مثل ما نجده
عندما نقرأ زيادًا والحجاج وجريرًا والفرزدق والأخطل.
ومع ذلك فنحن عندما نقرأ عبد الحميد لا نسمعه ولا نراه، ولا نكوِّن لأنفسنا فكرة عنه،
وإنما نفكر في شيء واحد، هو هذا الكلام الذي عندنا، ولا نسمع أنفسنا، بل يقرأ القارئ
بعينه، وقلما يقرأ القارئ بصوته، وخصوصًا في هذا العصر.
ونحن عندما نقرأ عبد الحميد أو ابن المقفع، لا نجد عندهما اللذة الفنية، إذا كنا في
طبقة واحدة، أو اشتركنا في ثقافة واحدة.
وإنما يقرؤهما منا ذوو الثقافة العالية والساذجة والمتوسطة والبسيطة، وكلنا يجد لذة
ومتعة فنية.
| hindawi |
|
وكان صاحبي يعرف أن للحياة سنتها الطبيعية التي لا تتغير، وأنه لخاضع
لهذه السنة راضٍ بها؛ فهو يتقبل المرض في أبنائه لأن من طبيعة الأمور
أن يمرض الأبناء، وهو ينفق على علاجهم في صبر ويستقبل شفاءهم وكأنه
أعجوبةٌ لم يكن يتصور أنها ستحقق؛ فقد كان يحتفل بالمناسبات السعيدة
احتفالًا رائعًا قَل أن تجده المناسبةُ السعيدة عند غيره من الناس؛ فلو
أن هذه المناسبات كانت ذات عقلٍ أو كانت صاحبة منطقٍ لما انقطعَت عن
زيارته أبدًا.
وكان يعلم أن السن حين تتقدَّم به أو بزوجه التي تُقارِبه فمن
الطبيعي أن يواجها هذه السن بما يتفق وإيَّاها من تكاسُل أو
مرض.
وهكذا كان صاحبي يمثل في نظري نموذجًا فريدًا من الإنسان الرضي
الخلُق الهادئ المؤمن بالله المتقبل لكل ما يوافيه به القدَر، في غير
جزع عند الشدة وفي نشوةٍ عارمة عند الخير.
حتى كان يومٌ قرأتُ في الجرائد أنه رُقِّي رئيسًا للمصلحة التي يعمل
بها، ففرحتُ له فرحة تتناسب وما أُكنُّه له من حب وتقدير. وسارعتُ
فألغيت ما كان مقدَّرًا ليومي هذا من مواعيد، وذهبتُ إلى المصلحة
لأُهنِّئه.
| hindawi |
|
الفترة فحسب، بل ابتدأ كتابتها — كما رأينا — منذ مطلع حياته الأدبية؛ أيْ منذ كتب مسرحية «المرأة الجديدة» في سنة ١٩٢٣، كما أنه واصل كتابة المسرحيات الاجتماعية بعد سنة ١٩٥١، بل وألَّف بعد ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ مسرحيات اجتماعية تصدر عن فلسفة اجتماعية بذاتها، وهي الفلسفة الاشتراكية التي نادت بها هذه الثورة، والتي تقدِّس العمل وتعتبره الوسيلة الوحيدة لكسب العيش، وكل هذا واضح في مسرحية «الأيدي الناعمة» التي كتبها توفيق الحكيم سنة ١٩٥٤، ونفس الفلسفة تَحدَبُ على الطبقة العاملة في الريف وتسعى إلى أن ترفع عنها غبن القرون وذلها، وتمكِّن لها من رد جشع الإقطاعيين وسيطرتهم التي كانت تُلقِي الفزع بل الوهم في نفوس أبنائها، على نحوِ ما صوَّر توفيق الحكيم نفسه في مسرحية «الصفقة» التي نشرها سنة ١٩٥٧.
وكان من الأفضل أن يضم «مسرح المجتمع» جميعَ مسرحيات المؤلف الاجتماعية القديمة، بما فيها
الخاص بمشكلة المرأة، ومسرحيته الجديدة و«الأيدي الناعمة» ذات الفلسفة الاجتماعية المحددة
والموجودة في مجموعة «المسرح المنوَّع»، الذي يضم أشتاتًا من المسرحيات في تاريخ إنتاجه دون
أي ترتيب زمني أو موضوعي فني.
| hindawi |
|
قبل حدوث تحول الزراعة، حين وجد مجموعة من الصيادين وجامعي الثمار الرحَّالة أنفسهم
في ظروف معيشية مُواتية، وبدأ عددهم يزيد بحيث لم يعُد مجرد بضع عشرات، كان الأخذ
بأنماط التقاسم والتعاون العادية سيصير غير عملي أكثر فأكثر، وكان الناس سينزعون
للانقسام إلى فصائل، وكان النزاع بين الفصائل المختلفة سيصبح أكثر تشعبًا وتكرارًا. في
نهاية المطاف، مالت هذه الجماعات البدوية العظيمة الحجم للانقسام إلى مجموعتين أو أكثر،
وذهبت كلٌّ منها في سبيلها. وهذا مثال على عملية «الانقسام» التي تقع من وقت لآخر في
المجتمع الانقسامي الاندماجي المعهود لدى البشر وغيرهم من الرئيسيات. كان نمط الحياة
البدوي يجعل الانتقال إلى أراضٍ جديدة أمرًا سهلًا وطبيعيًّا بالنسبة إلى الجماعات،
وكانت عملية الانقسام تجعل حجم جماعات الصيد وجمع الثمار صغيرًا نسبيًّا؛ مما سهَّل
الحفاظ على التضامن ويسَّر التعاون بين أفراد الجماعة.
| hindawi |
|
ولاحظ «أحمد» أسلوب التمويه في المباني … وكان يُحاول تذكُّر كل شيء
بدقةٍ؛ لأنه سيحتاج إلى هذه المعلومات فيما بعد … ودخلا غرفةً طلب منه
المدير الانتظار فيها … بينما دخل المدير إلى غرفةٍ أخرى مُلحقة بها
…
ولم يحاول «أحمد» أن يقوم بأي أعمالٍ تُثير الشك فيه … فعندما أخذ
يُراقب ما في الغرفة لاحظ وجود ساعة حائط من نوعٍ خاص يعرفه «أحمد» أن
بها كاميرا «فيديو»، تُظهر صورته في غرفة مُراقبة …
بعد دقائق عاد المدير ومعه رجلٌ آخر يرتدي معطفًا أبيض وجلسا أمام
«أحمد»، وتكلَّم الرجل ذو المعطف الأبيض قائلًا:
إن عملك معنا يُسعدنا جدًّا خاصة بعد الكلام الذي قاله عنك المدير …
ستعمل هنا في مشروعٍ ذري جديد … وقد قرَّرْنا اختيارك بعد أن أثبتَّ
جدارتك في الأيام التي عملتَ فيها معنا … ستكون مساعدًا للدكتور
«فوجل»، وهو من أبرز علمائنا … إنه يمر بأزمةٍ صحيةٍ خفيفة ويحتاج إلى
مساعدٍ كفء … وسيسعد كثيرًا بالعمل معك …
| hindawi |
|
تقنية المعلومات الرقميةليست قدرة الإنسان على التعلم بأكثر صفاته بشريةً؛ إذ يتشارك فيها مع عدة أنواع أخرى،
وإنما أكثر ما يميزه كبشرٍ قدرته على تعليم وتخزين ما ابتكره الآخرون وعلَّموه
إياه.
في عام ١٨٢٢م صمَّم عالم الرياضيات والمهندس والمخترع البريطاني تشارلز بابيج آلةً يمكنها
أداء حسابات لوغاريتمية ومثلَّثية معقَّدة استخدمها بحَّارة ومُهندسون وعلماء، وكانت الآلة
قادرة على فعل هذا دون احتمالية وقوع خطأ. أسمى بابيج اختراعه محرك فرق، وقد صُنع بالكامل
من آلياتٍ دقيقة، بآلاف العجلات وأعمدة التدوير والتروس لكن من دون أجزاء كهربائية. والسبب
بسيط؛ إذ ستمضي سنوات قبل أن ينجح مايكل فاراداي وآخرون في صنع أول محركات كهربائية. حتى
ذاك الوقت لم يكن مُتاحًا مصدرٌ ميسور التكلفة ومضمونٌ للطاقة الكهربائية، ولم يكن قد
اختُرع بعدُ أيٌّ من المرحلات والصمامات المفرغة وسائر المكوِّنات الكهربائية اللازمة لصنع
حاسب إلكتروني.
| hindawi |
|
وأحداث التاريخ سلسلة من الضغط على اختلاف الأشكال ومحاولة النفس تحررها من الضغط
والأغلال غير العاقلة، وهي دائمًا في خطوات إلى الأمام نحو تحقيق هذه الغاية.
ومن الخطأ في نظري تفسير كل شيء بالمادة وإهمال الروح، والقول بأن الإنسان مسير بجيبه لا
بروحه، إن النظر إلى المادة وحدها جعل الغرض المنشود هو القوة المادية بالمال وبالقوة
الحربية، فماذا كانت نتيجة ذلك؟ نتيجته صراخ الأرض حتى ضجت من صراخها السماء، وتلوين
الخرائط بمالك ومستعمر، واستعباد أكثر الإنسانية لأقلها، ولذة الأقلين بألم الأكثرين، إن
الأمم ظلت تتسابق في القوة المادية حتى ضاعت حكمة حكيمها، وفلسفة فيلسوفها، وعميت عن الغاية
من القوة، واتخذتها غاية لا وسيلة، حتى ذهب عن الأرض سلمها وجمالها؛ وفي التاريخ ما يرشدنا
إلى أن القوة المادية كالقوة العسكرية تنتهي دائمًا بتحطم نفسها، كان كذلك اليونان
والرومان، والقرطاجينيون، ومن أتى بعدهم إلى اليوم.
| hindawi |
|
ردَّ «محب»: شاهدتها تسقط من الزعيم الأزرق أثناء إطلاق الديناميت فأسرعتُ
بالتقاطها.
| hindawi |
|
إن ما نسميه ﺑ «السياسة» إن هو إلا خطة للعمل في هذا الميدان أو ذاك، نرسمها لنقوم
بتنفيذها ابتغاء تغيير الواقع بواقع آخر أفضل منه فهي دائمًا «فكرة» يراد لها أن تهدي
السائرين في طريق التنفيذ، فلو أصررنا على أن الواقع الاقتصادي أولًا فالفكر ثانيًا، نتج عن
ذلك حتمًا أن تنتفي «السياسة» ويبطل أثرها، ويصبح محالًا على قوم أن يغيروا ما بهم حتى وإن
غيروا ما بأنفسهم؛ أعني أنه يكون محالًا عليهم أن يغيروا واقعهم حتى وإن تغيرت أفكارهم،
والواقع المشهود صارخ بما في ذلك من بطلان.
لقد يختلف الدارسون لماركس في فهم ما يريده بالنسبة إلى العلاقة بين الفكر من جهة والواقع
من جهة أخرى، أهو من الفلاسفة الواحديين الذين يردون كل شيءٍ إلى أصل واحد (والأصل الواحد في
هذه الحالة هو المادة) أم هو من الفلاسفة الثنائيين الذين يردون الأشياء إلى أصلين، هما
المادة والعقل معًا، فلو كان ماركس من الفريق الأول صراحة، لكانت ظواهر العقل كلها في رأيه
فروعًا تتفرع عن أصل مادي، ولو كان من الفريق الثاني صراحة، لكان العقل (أو الروح) والمادة
عنده أصلين متساويين في درجة الأصالة، لا يتفرع أحدهما عن الآخر.
| hindawi |
|
ومرةً أخرى تداولَته الحجارة، وانهال عليه المسلمون والعرب والوطنيون
بسهام الحق يردُّونه عن قوم يكنُّون لهم الاحترام والتوقير.
ويُحاوِل الثور المذءوب أن يلجأ إلى حرية الرأي، وإلى أن كل إنسانٍ
ينبغي أن يتمكَّن من إبداء رأيه مهما يكن شأنُ هذا الرأي. وهو قول حق،
ولكنه يستر عند هذا الرجل بالذات باطلًا فادحًا؛ فأولئك الذين يجرح
مشاعرهم بهذه الوحشية ويسُبُّ لهم أعلام دينهم لا يستطيعون أن يمنحوا
أنفسهم الحرية في مهاجمة ما يقدِّسه هو وأمثاله من الذين يحاولون أن
يُحطِّموا المساجد وأشياخها على رءوس مرتاديها ومريديهم؛ لأن ديننا
ينهانا أن نُثير الفتن بين الناس، والفتنة عندنا أشد من القتل، بينما
هي عند الثور المذءوب هدفُ حياة ونشيدةُ عمر وهب نفسه لها لا يريم عنها
ولا ينثني.
وبلغَت به الوقاحة أن هاجم القرآن نفسه، وحاول أن يرُدَّ آياته إلى
عصورٍ سابقة عليه، وحاول أن يُفسِّرها وهو أبعدُ ما يكون عن دراسة
أعماقها أو لغتها أو مفاهيمها أو أسباب نزولها.
| hindawi |
|
وعاد «تختخ» مُسرعًا إلى المعسكر … ولاحظ بدهشةٍ أن «زنجر» بقي مكانه في الظل … ولكنه —
مرةً أخرى — لم يهتم.
عندما وصل إلى المعسكر وجد المغامرِينَ الأربعة يقطعون المسافة بين البئر والمقطورة
باحثِينَ مدقِّقِينَ في الأرض برغم الشمس الحامية … والريح … وكان العمال يقومون بعملهم،
ولم يكن هناك أثرٌ للمهندس «رضوان» ولا «كوكس» ولا «ماكلاجلن» … وتقدم «تختخ» إليهم قائلًا:
ألم تعثروا على الخريطة بعد؟
عاطف: لقد عثرنا عليها ولكننا الآن نبحث عن البترول.
وضحك «تختخ» وقال: إنكم تتَّبعون وسائل قديمة في البحث … لقد عثرتُ عليها بمجرد
الاستنتاج.
وأسرع الأربعة إلى «تختخ» الذي روى لهم ما حدث مع «زنجر»، فانهالت الأسئلة والتعليقات من
كل جانبٍ … لماذا فعل «زنجر» هذا؟ هل يريد أن يُقدِّم لنا لغزًا من إنتاجه؟ لا بد من معاقبة
هذا الكلب على ما فعل.
| hindawi |
|
شاعر وقاص وكاتب مسرحي نمسوي. درس الفلسفة والتاريخ في فيينا، وشارك مشاركة فعَّالة في
الصحافة النقدية الفَكِهة (في المجلة الساخرة سمبليسيزموس ومجلة الشعلة التي كان يُصدِرها
الكاتب الساخر كارل كراوس)، وفي العمل المسرحي بالمساهَمة في تأسيس عدد من المسارح (كالمسرح
الشعبي في مدينة فيينا، والمسرح التجريبي «الفرقة»، وغيرهما)، وفي الإخراج للمسرح والسينما في
هوليوود بعد هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة ١٩٣٨م، حتى عودته إلى فيينا سنة
١٩٤٧م لمعاودة نشاطه المسرحي والترجمي عن الأدب الأمريكي. قام بدور كبير في حملة الدعاية
التي كانت تقوم بها إذاعة اﻟ «بي بي سي» البريطانية ضد النازية، وفي سنواته الأخيرة كرَّس
شعره للهجوم على الفاشية (راجِع على سبيل المثال قصيدته القصصية في هذه المجموعة عن «أجراس
إيرفورت»).
(١٨) فونتانه (تيودور: ١٨١٩–١٨٩٨م) تقلَّب معظم حياته بين العمل بالصيدلة والصحافة (عمل مراسِلًا حربيًّا خلال الحملات العسكرية والحرب بين ألمانيا وفرنسا من عام ١٨٦٤ إلى عام ١٨٧١م)، والنقد المسرحي وسكرتارية أكاديمية الفنون في برلين. اتجه إلى الأدب متأخرًا، ولكن إنتاجه الروائي والشعري ظل متدفقًا في شيخوخته، وحتى وفاته. يمثل فونتانه برواياته وشعره القصصي مرحلةَ اكتمال الواقعية الألمانية، وقد بدأ حياته مع الشعر بكتابة قصائد يكسوها الأسى والحنين، ثم اكتسب شهرتَه كشاعر قصائد قصصية شعبية احتذى فيها نماذجَ «البالاد» الإنجليزية والاسكتلندية، مقتبِسًا مادتها من التاريخ الإنجليزي والاسكتلندي القديم، أو من الشخصيات البروسية في عصره، وتميَّز بأسلوبه المكثَّف المقتصد، والمعبِّر في الوقت نفسه عن القلق والتوتر النفسي. وقد اتجه إلى الكتابة الروائية بعد بلوغه الستين من عمره، فبدأ بالرواية التاريخية على طريقة الإنجليزي سكوت، ولكنه لم يجد طريقه الخاص في الرواية إلا بعد السبعين، عندما عالَج كتابة الرواية الواقعية من بيئته | hindawi |
|
كان الهدف الواضح الظاهر لشتَّى مظاهر الفكر المصري والأدب المصري هو خلق روح مصرية
جديدة، تتسم بطابع مميز، فلما أن نشبت الحرب العالمية الثانية، وبلغت ختامها سنة ١٩٤٥م، أخذ
هذا الطابع المميز المنشود يتطلع إلى أفق أوسع، لا يقتصر أمره على أصحاب الحياة العلمية
وحدهم — أعني علية المثقفين — بل يتعداهم إلى شيءٍ يصلح أن يتسع ليشمل الشعب كله، ثم لما
قامت الحرب الفلسطينية بين البلاد العربية وإسرائيل سنة ١٩٤٨م، كان ذلك بمثابة أن تتحدد
معالم الهدف الجديد للفكر، وللأدب، وللسياسة، ولكل وجه من أوجه النشاط الذهني، وهو أن يعمل
العاملون وأن يفكر المفكرون، وأن يتغنَّى الشعراء بوحدة عربية وقومية عربية، تكون مصر جزءًا
منها.
أخذت خيوط كثيرة تتجمع، بعد أن هدأت نيران الحرب العالمية الثانية، تشير كلها إلى وجوب تغير الأوضاع من أساسها، طه حسين يكتب عن «المعذبين في الأرض» كما يكتب سواه في نفس الاتجاه، إرهاصًا لثورة اجتماعية اقتصادية، وخالد محمد خالد يكتب «من هنا نبدأ» و«مواطنون لا رعايا» فتحدث كتاباته أثرًا في رقعة واسعة من القُراء؛ لأنه يلجأ إلى طريقة في الكتابة تجمع في يد واحدة ثنائية الثقافة الدينية التي كانت معتزلة وراء جدران الأزهر إلى حد كبير، والثقافة السياسية الاجتماعية الجديدة، هادفًا إلى خلق العربي المسلم الحر المعاصر في آن معًا، ويحيى حقي يكتب «قنديل أم هاشم» ليؤكد ضرورة العودة إلى تربة الثقافة العربية الإسلامية، حتى وإن أوغل المغترب في العلم الأوروبي، ومحمد فريد أبو حديد — منذ العشرينيات والثلاثينيات — يكتب بروحه السمحة وقلمه الهادئ ليشيع فينا نفحة التجديد الذي يقيم بنيانه على أسس الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة … خيوط أخذت كلها تتجمع لتلتقي في عزيمة واحدة، تنتظر الجذوة | hindawi |
|
(١) السعي للحصول على المساعدات الأجنبية نظرًا لما كانت تعانيه المستعمرات من تدنِّي حالها كثيرًا مقارنةً بالدولة الأم التي تتبعها من حيث عدد السكان والثروة والصناعة والقوة العسكرية والبحرية، لم يكن باستطاعة المستعمرات أن تأمل في إحراز نصر عسكري حاسم إلا بمساعدة إحدى القوى الأوروبية الكبرى. كان الكونجرس قبل أشهر من اتخاذ قرار الاستقلال قد أسَّس لجنة سرية للتواصل مع أصدقاء أمريكا بالخارج، فأرسلت تلك اللجنة إلى باريس عميلًا سريًّا مُتخفِّيًا كأحد التجار طلبًا للإمدادات ولاعتمادٍ مالي. وسرعان ما وجد هذا العميل — وهو سيلاس دين من ولاية كونيتيكت، الذي بلغ باريس في يوليو عام ١٧٧٦ — أن الحكومة الفرنسية على استعداد لدعم المستعمرات المتمردة على بريطانيا سرًّا. كان وزراء فرنسا في الواقع يتحيَّنون الفرصة المناسبة منذ عام ١٧٦٣ لتقويض بريطانيا العظمى وإذلالها، غريمة فرنسا التي انتصرت عليها. وقد رأى الكاتب المسرحي الفرنسي الشهير والدبلوماسي الهاوي، | hindawi |
|
عندما دخل كان جهاز الإرسال يستقبل رسالةً: «القرش وتابعه، انطلقا بلنش صغير من النقطة
«ف»!» ردَّ على الشياطين: «إنني قادمٌ»! ورفع سماعة التليفون، وتحدَّث إلى عميل رقم «صفر»:
النقطة «ف». وسمع صوت العميل يقول: «سيكون الحوت هناك بعد ربع ساعة.» فوضع السماعة ونزل مسرعًا إلى النقطة «ف»، حيث ينتظر
الشياطين.
| hindawi |
|
الثور المذءوب
سُعارٌ أصاب الرجل منذ البواكير الأولى من حياته، أنفق عمره يتعلم
لغاتٍ غير لغته العربية وله من الوقاحة ما يُحاوِل به أن يكون أديبًا
في اللغة العربية، وانتهت حياته أو أوشكَت ولكن المسكين فَشِل أن يكون
بين قومه أديبًا، وفشل أن يكون في اللغات التي تعلَّمها وأتقنها شيئًا
مذكورًا أو غير مذكور.
إنه ثَورٌ أصابه سُعار الذئاب المفترسة يريد أن يحطِّم الحياة من
حوله، ولكن لأنه ضئيل القَدْر هيِّن الشأن حقير النفس وضيع الفكر لم
يحطِّم إلا نفسه.
هم أوَّل ما هَم باللغة العربية والتراث العربي، وراح يُحارب كل ما
هو أصيل في أدبنا وتراثنا، ونظره الكليل المنحرف مُصوَّب على أن اللغة
العربية هي لغة القرآن. وهو يظُن بما ركِّبَت عليه نفسه من اجتماع
الثور والذئب أنه يستطيع أن يحطِّم اللغة ليُبعِد الناس عن القرآن وعن
الدين، واستقبله فيما تكالَب عليه الفشل الوبيل. وأحَسَّ الناسُ بما في
هجمته من سُعار فرفعوا المصاحف على الرءوس، وألجموه بما لا يُطيق،
وانهالوا عليه رجمًا، فإذا الثور فيه والذئب جميعًا يتمحَّضان عن كلبٍ
أجربَ يضع ذيلَه بين فخذَيه الخلفيتَين ويُسارِع في تلصُّص المجرمين،
يعدو باحثًا عن مخبأٍ أمين يلعَق فيه جرَبَه وجراحَه، ويصمت حتى يهدأ
ما ثار من الناس وحتى ينثني عنه الراجمون، وينساه الذين يقولون لا إله
إلا الله، محمد سيد الخلق رسول الله.
| hindawi |
|
والإسرائيلي قد خسر، ذات مرة، ذلك الرب بازدحام خرافات مصر وآسيا فيه، بَيْدَ أن
أنبياءه آذَنُوه، فغدا أولادُ يعقوب قادرين على هداية الناس إلى إيمانهم بردهم إلى
عَنْعَنَاتهم السامية الخالصة.
(٣) تاريخ اليهود
لا يبدأ تاريخ اليهود بالحقيقة إلا في عهد ملوكهم.
كان بنو إسرائيل أقل من أمةٍ حتى زمن شاوُل، كانوا أخلاطًا من عصابات جامحة، كانوا
مجموعةً غير منسجمة من قبائل ساميَّة صغيرة أفَّاقة بدوية، تقوم حياتها على الغزو
والفتح والجَدْب وانتهاب القرى الصغيرة، حيث تقضي عيشًا رغيدًا دفعة واحدة في بضعة
أيام، فإذا مضت هذه الأيام القليلة عادت إلى حياة التِّيه والبؤس.
وتكوَّنت زمرة بني إسرائيل الساميَّة كجميع العشائر، فكانت مؤلَّفةً في بدء الأمر من
أُسْرَة واحدة ذات جَدٍّ واحدٍ، وهذا الجَدُّ كان يُدعَى لدى بنى إسرائيلَ بيعقوبَ أو
إسرائيلَ، وإسرائيلُ هذا هو من ذرية إبراهيمَ — وإبراهيمُ هذا كان أول مَن هجر كَلْدَة
من عِرْقة طلبًا للرزق.
| hindawi |
|
إن احتمال الآلام في هذه الدنيا كان لنا منه أكبر الفضائل، من حزم وصبر وثقة بالنفس
وتضحية للخير وعذاب للإصلاح، ولولاه ما كانت.
لولا عواطف الألم ما كان شعر ولا فن، ولا نحت ولا موسيقى ولا تصوير، ولا معانٍ إنسانية،
ولا وطنية ولا قومية.
فلو كان العالم كما يتطلبه العامة خاليًا من الآلام لكان بالطبيعة أيضًا خاليًا من
اللذائذ، ولو كان خاليًا من الرذائل كما يبغون لخلا أيضًا من الفضائل؛ إذ لا يمكن أن تتصور
لذة بدون ألم، ولا فضيلة بدون رذيلة.
إن عالمنا هذا بُني على الخير والشر، واللذة والألم، والفضيلة والرذيلة، والسعادة
والشقاء، وكل منهما كأحد جانبي الوجه لا يكمل إلا بجانبه الآخر، ولا يُفهم إلا بالآخر، فمن
أراد عالمًا لا ألم فيه فليطلبه في غير هذا العالم، وعلى غير هذا النظام كله.
وتبارك الله رب العالمين.
| hindawi |
|
واقْتَرَبْتُ مِنْها، فَرَأَيتُها مُغْمَضَةَ العَيْنَيْنِ. واسْتَمَعْتُ إلى
أنْفاسِها الخافِتَةِ، فَتَبَيَّنَ لِي أنَّها لا تَزالُ عَلَى قَيْدِ الحَياةِ.
وعَجِبْتُ لِوجُودِها وحْدَها في هذا القَصْرِ المُنْفَرِدِ في تِلْكَ الجَزِيرَةِ
المُقْفِرَةِ. وخَطَرَ لِي أنْ أُوقِظَها مِنْ نَوْمِها، ولكِنَّنِي أحْجَمْتُ حَتَّى
لا أُنَغِّصَ عَلَيْها صَفْوَ راحَتِها، وأُكَدِّرَ عَلَيْها هَناءَ رَقْدَتِها،
فَغادَرْتُ القَصْرَ، مُعْتَزِمًا عَوْدَتي إلَيْهِ بَعْدَ ساعاتٍ.
(٣) عَجائِبُ الجَزِيرَةِ
ثُمَّ اسْتَأْنَفْتُ تَجْوالِي في الجَزِيرَةِ، فَرَأَيْتُ عَجائِبَ مِنْ طَيْرِها
وَحَيَوانِها وَحَشَراتِها لم أَرَ لَها مَثِيلًا في غَيْرِها، فَقَدْ شَهِدْتُ مِنْ
غَرائِبها مَخْلُوقاتٍ لا أَدْرِي كَيْفَ أُسَمِّيها، فَهِي تَبْدُو في هَيْئَةِ
النَّمْلِ وَحَجْمِ النَّمِرَةِ. وَقَد حَسِبْتُها — أَوَّلَ ما رأَيتُها —
مُفْتَرِسَةً، فَتَأَهَّبْتُ لَصِراعها. وَلكِنَّها أَسْرَعَتْ بِالفِرارِ حِينَ
رَأَتْنِي. وَلَقِيتُ أَنْواعًا أُخْرَى مِنْ مُخْتَلِفِ الحَيَوانِ، تَبْعَثُ
هَيْئَتُها عَلَى الرُّعْبِ وَالفَزَعِ. وَلكِنَّها سُرْعانَ ما نَفَرَتْ مِنَّي،
وَحادَتْ عَنْ طَرِيقِي، دُونَ أَنْ تَمَسَّنِي بِأَذًى. وَعُدْتُ إلَى القَصْر بَعْدَ
ساعَةٍ، فَرَأَيْتُ الفَتاةَ لا تَزالُ غارِقَةً في نَوْمِها.
| hindawi |
|
ولم يكن الأدب العربي في مصر، خلال هذه المراحل الثلاث جميعًا، ليقصر مقاومته على أرض مصر
وحدها، منزوعة من الوطن العربي الكبير، أو معزولة عن حركات التحرر التي أخذ مداها يتسع في
أرجاء مختلفة من آسيا وإفريقيا، بل كانت الأمة العربية بأسرها هي مجال الكتابة عند
الكاتبين، كما كانت البلاد الإسلامية، وكل بلاد أخرى تُطالب بحريتها من مستعمر غاصب، موضوعًا
لا يغيب عن سياق الحديث، كلما مس الحديث قضايا التحرر الوطني.
احتل الإنجليز أرض مصر، فرحل عنها جمال الدين الأفغاني، ونُفي الشيخ محمد عبده، ثم ما لبث
القطبان أن التقيا معًا في باريس، ليُصدرا جريدة العروة الوثقى، ناطقة بالدعوة إلى مقاومة
الموجة الاستعمارية العارمة، التي أخذت تطغى على أقطار الشرق بعامة، وإلى تحرير مصر من
الاحتلال البريطاني بصفة خاصة، وإن القارئ ليطالع على صفحات الأعداد الثمانية عشر التي صدرت
من العروة الوثقى — وقد صدر عددها الأول قبل أن ينقضي على الاحتلال البريطاني عامان —
صيحات قوية تنبه من غفا، وتوقظ من استنام: «إننا لو نادينا الغافلين أن انتبهوا، والنائمين
أن استيقظوا، واللاهين بحظوظهم أو أمانيهم وأوهامهم أن التفتوا، ولو أنذرنا أهل مصر بأن
الإنجليز لو ثبتت أقدامهم في ديارهم، لحاسبوا الناس على هواجس أنفسهم، وخطرات قلوبهم، بل
على استعداد عقولهم لما عساه يخطر ببالهم، لقال الناس إننا نبالغ في الإنذار ونغرق في
التحذير» (العدد الخامس من العروة الوثقى).
| hindawi |
|
مع نهاية القرن التاسع عشر تطوَّرت الصناعات البترولية، التي بدأت بدايةً متواضِعة
للغاية في خمسينيات القرن التاسع عشر في أوروبا بصناعة شمع البارافين من النفط الخام
لتُصبح قوةً صناعيةً رئيسية، وبحلول عام ١٨٨٠م كان يُضَخ أكثر من عشرين مليون برميل نفط
خام سنويًّا من آبار النفط في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. الجمع بين البنزين
المستقطَر من البترول ومحركات الاحتراق الداخلي ذات الآليات الدقيقة أتاح ابتكار محرك
البنزين الحديث: وهو مصدر طاقة خفيف الوزن، وصغير الحجم، وقوي، ويُمكن الاعتماد عليه،
وموفِّر. وقد كان محرك البنزين الحديث هو ما أتاح، أكثر من أي آلة أخرى، لمُخترعي أوائل
القرن العشرين ابتكار كل من السيارة والطائرة؛ اثنتين من تقنيات النقل لمسافاتٍ بعيدة
قلَّصت المسافات الفاصلة بين مجتمعات البشر لنسبةٍ ضئيلة من حجمها السابق.
من الرماح النارية إلى الأسلحة النارية | hindawi |
|
إن «الحتمية» لا تتفق مع «إرادة التغيير»؛ لأنه مع الحتمية لا تكون إرادة من جانب
الإنسان؛ إذ لا يبقى لهذا الإنسان إزاء تطور التاريخ إلا أن «يتفرج» على ما يحدث له
وللمجتمع وللطبيعة على حد سواء، مع أننا نرى ماركس حريصًا على ألا يقف الناس — والفلاسفة
منهم بوجه خاص — موقف المتفرج المتأمل، بل لا بُدَّ لهم أن يغيروا العالم، يقول: «لقد اكتفى
الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، مع أن المهم هو أن نغيره.» فكيف أغيره إذا لم يكن
هنالك احتمال آخر، وهو أن أتركه على حاله بغير تغيير؟ مع أن هذا الفرض الثاني ممتنع إذا كان
التاريخ محتوم الوسيلة محتوم الأهداف.
وهنا قد يقال إن تدخل الإنسان بإرادته في مجرى الأحداث مطلوب، لا ليُحدث ما لم يكن ليحدث
من تلقاء نفسه، بل ليُسرع في حدوثه، بأن يزيل من طريقه المعوقات ويضيف عوامل الإسراع؛ لكي
تصل إلى الأهداف المرجوة قبل أوانها الطبيعي، ولكنه قول يناقض بدوره زعمًا آخر زعمه ماركس،
وهو أن الأفكار والقيم ليست سببًا يسبق وقوع الأحداث، بل هي نتيجة تتفرَّع عن ذلك الوقوع،
فإذا كان هذا هكذا، فبأيِّ شيءٍ تُريدني أن أتدخل في سير التاريخ لأُسرِع من مجرى أحداثه، إلا
أن يكون ذلك بما أحمله في رأسي من أفكار وقيم؟ لكن الترتيب بين الفكر والواقع وأيهما يكون
أسبق من أخيه، يريد شيئًا من التفصيل؛ لأنه نقطة أخرى نجد فيها شيئًا من الخلط يدعونا إلى
الحيرة والتساؤل.
| hindawi |
|
وبعد فترة سمعت الكلاب تتجه ناحيتي، وبرغم أنني لم أعد
أخافها فقد خشيت أن تحدث صوتًا يلفت الأنظار إليَّ … وهكذا
غادرت المكان وتسلَّقت الشجرة ونزلت إلى الشارع ثم توجهت إلى
الفيلا … وبمناسبة الصبارات الثلاث … لقد لاحظت أن هذا هو شعار
أسرة «سيف»؛ فعلى الباب الخارجي للقصر … وعلى جميع الأبواب تجد
هذا الشعار من النحاس … فهل هناك صلة بين الشعار وبين ما
تحسسته على الأرض بين الصبار؟إنني أترك لك فرصة التفكير … وسوف أحاول مرة أخرى الذهاب إلى
المكان والبحث جديًّا عمَّا يوجد في هذه الأرض من
أسرار.لم يظهر بعدُ «الطيب»، ولم يتقدَّم الشاويش في قضية البحث عن
طوابع البريد … وسأكتب لك عن أي شيءٍ جديد يظهر في
القضية.من «تختخ» إلى «محب»إنك مخبر ممتاز … ولكني ما زلت أنصح بألَّا تغامر وحدك وتدخل
القصر ليلًا؛ فقد تقع في أيديهم … صحيح أننا حتى الآن لا نجد
ما يدل على وقوع أشياء مخالفة للقانون، ولكن تصرفات سكان القصر
تؤكد أن شيئًا مريبًا يحدث داخل قصر الصبار … وأن سكان القصر
يهمهم ألَّا يعرف أحدٌ ماذا يفعلون، فإذا اكتشفوا أنك تتجسس
عليهم فلن يترددوا في البطش بك … | hindawi |
|
قال «أحمد»: لقد شاهدتُك وأنت تقفز من قمة الجبل، لقد كانت قفزة رائعة يا «بو عمير» تستحق
عليها التهنئة، ولكن لماذا قفزت؟
رد «بو عمير»: لأنقذ حياتي.
لم يُعلِّق أحد من الشياطين على ما قاله «بو عمير» … وانتظروا حتى يهدأ ويروي لهم تفاصيل ما جرى
في الجبل، وعندما انتهى من حديثه قالت «إلهام»: نُقطة مراقَبة في الجبل، شيء مدهش!
عثمان: لعلها نقطة مراقبة حكومية!
أحمد: في مثل هذه الحالات. لا أعتقد أن هذه النقطة لها علاقة بالحكومة؛ لأنه إذا كانت
نقطة المراقبة حكومية فإنَّ الاستقبال لا يكون بهذا الأسلوب، ومن الواجب وجود لافِتة تُوضِّح أنه
ممنوع الاقتراب من هذا المكان.
عثمان: معك حق؛ فقد حاوَلوا قتل «بو عمير» على الفور.
بو عمير: ولا تنسوا تحذير الرجل الذي كرَّره مرتين عودوا من حيث أتيتم. إن هذا التحذير
يعني أشياء كثيرة، منها أننا قد نتعرَّض لمُحاولة الاعتداء علينا في أي وقت.
| hindawi |
|
إن القائمة لتطول بنا ألف ألف فرسخ، إذا نحن أخذنا نعد التفصيلات الجزئية التي يراد
تغييرها، كأن نحصر الأفراد الذين يراد لهم أن يصحوا بعد مرض، وأن يعلموا بعد جهل، وأن
يطعموا بعد جوع، وأن يكتسوا بعد عري، وكأن نحصر الطرق التي يراد لها أن ترصف، والحشرات التي
لا بُدَّ لها أن تباد، والأرض التي لا بُدَّ أن تزرع والمصانع التي لا بُدَّ أن تقام … تلك
تفصيلات جزئية تعد بألوف الألوف، لكنها تندرج كلها تحت مبادئ محدودة العدد، ثم تندرج هذه
المبادئ بدورها تحت ما يُسمى بالقيم أو المعايير التي عليها يقاس ما نريده وما لا نريده
لحياتنا الجديدة، فإذا أنت غيرت ما لدى القوم من معايير وقيم، تغير لهم بالتالي وجه الحياة
بأسرها.
ولا تكون إرادة التغيير قد نالت من حياتنا قيد أنملة إذا نحن لم نوحد في أذهاننا توحيدًا
تامًّا بين العام والخاص، فتلك من أولى القيم التي لا بُدَّ من بثها في النفوس وترسيخها في
الأذهان، فنحن بما ورثناه من تقليد اجتماعي أحرص ما نكون على الملك الخاص، وأشد ما نكون
إهمالًا للملك العام، فالفرق في أنظارنا بعيد بين العناية الواجبة بالابن والعناية الواجبة
بالمواطن البعيد، بين العناية بتنظيف الدار من داخل والعناية بتنظيف الطريق، الفرق في
أنظارنا بعيد بين المال نملكه والمال تملكه الدولة للجميع، بين العيادة الخاصة يديرها
الطبيب الذي يستغلها والمستشفى العام يديره الطبيب نفسه ولكنه يديره باسم الدولة، الفرق في
أنظارنا بعيد بين معنى «أنا» و«نحن» وبين «هو» و«هم»، فما زال الذي يشغلنا هو هذه الأنا
والنحن اللتان لا تعنيان أكثر من الأسرة وحدودها، وأما هو وهم اللتان تمتدان لتشملا أبناء
الوطن جميعًا فما تزالان في أوهامنا تدلان على ما يشبه الأشباح التي لايؤذيها التجويع
والتعذيب.
| hindawi |
|
والأقمار الأكبر حجمًا أكثر إثارة للاهتمام من الناحية
الجيولوجية — وسوف أذكر المزيد عنها
لاحقًا — لكن جميع الأقمار مفيدة لعالم الكواكب؛ لأنها تساعد في تحديد خصائص
الكواكب التي تتبعها هذه الأقمار. والفترة المدارية للقمر التابع لا تعتمد إلَّا
على متوسط المسافة بين القمر ومركز الكوكب وكتلتهما المشتركة (التي يمكن حسابها
باستخدام تفسير نيوتن لقانون كبلر الثالث بمنظور الجاذبية). ولأن الأقمار التابعة
أصغر بكثير، تكون كتلة الكوكب هي المهيمنة على نحو شبه تامٍّ، بنفس الطريقة التي
تعتمد بها مدارات الكواكب حول الشمس على المسافة والكتلة الشمسية.
(٣-٤) الكويكبات والأجرام الوراء نبتونية والمذنبات
يتناول هذا الكتاب موضوع الكواكب وليس المجموعة الشمسية بأكملها، لكن تجدر بنا
الإشارة إلى أن الأجرام الأخرى تفوق كثيرًا في عددها عددَ الكواكب وأقمارها التابعة
معًا، بالرغم من أن هذه الأجرام صغيرة الحجم، وإجمالي كتلتها ضئيل نسبيًّا. وبالرغم
من أن علماء الكواكب أدركوا أن الفروق بين تلك الأجرام «الثانوية» غير واضحة إلى
حدٍّ ما، فإنه يمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات فضفاضة: الكويكبات، والأجرام الوراء
نبتونية، والمذنبات.
| hindawi |
|
هزَّ «أحمد» رأسه وقال: أرجو أن أجتمع بكم في حجرة مكتبي بعض الوقت قبل أن تُعدُّوا
التقارير، فسوف أُضطر إلى تغيير سياستنا التجارية. ابتسم ثم قال: «التجارية …
وغيرها.»
ابتسم الرجال، وأخذوا طريقهم إلى الحجرة الداخلية، في نفس الوقت الذي كانت يد «خالد» تمتد
… لتضغط زرًّا، أغلق الستارة المعدنية.
التقت أعين الشياطين في ابتسامةٍ متبادلةٍ، وقال «بو عمير»: لقد كانت مغامرة
هادئة!
ابتسم «عثمان» وقال: هادئة فيما عدا سمك القرش! مرَّ بعض الوقت، وبدأت بعض الأصوات تأتي
من داخل الحجرة الداخلية … في نفس الوقت الذي ظهرت فيه أصوات طائرات تقترب. رفع الشياطين
أصابعهم علامة النصر … وقال «أحمد»: إلى اللقاء …
ابتسموا جميعًا، بينما كان «أحمد» يستقبل رسالة رقم «صفر» تقول: «أُهنئكم و… إلى اللقاء
كما قُلت.»
نقل «أحمد» الرسالة إلى الشياطين فابتسموا، وهم يأخذون طريقهم مغادرين الحجرة …
| hindawi |
|
كالتي وقعت فيها أوروبا حين جمعت الدين والدولة في يد واحدة. وفي سنة ١٩٢٥م أُنشئت جامعة القاهرة، وأدمجت فيها الجامعة الأهلية التي كانت قد نشأت سنة ١٩٠٨م، كما أدمجت فيها كذلك مجموعة المعاهد العليا التي كانت تتفاوت أعمارها بين قرن كامل لبعضها — مثل كلية الطب — وبعض القرن لبعضها الآخر، فجاء إنشاء جامعة القاهرة علامة من أبرز العلامات الدالة على نهوض الشعب بثورة عقلية تتمم الثورة السياسية، ولم يكد يمضي عام على إنشائها، حتى أخرجت المطبعة للدكتور طه حسين كتابه في «الأدب الجاهلي»، الذي ظهر وكأنه إعلان بقيام منهج علمي جديد، يترسم خطوات المنهج الديكارتي في البحث، فيفرض الخطأ فيما توارثناه من معرفة، حتى يثبت صوابه بالبرهان العلمي، صوابًا لا يرتكز على تحيز سابق لفكرة معينة، فإذا كان المعلوم الشائع المتوارث هو أن الشاعر الفلاني قد عاش في العصر الفلاني ونظم القصائد الفلانية، فلنفرض بادئ ذي بدء أن لم يكن لهذا الشَّاعر وجود، ومِن ثَمَّ لا يكون هو ناظم القصائد المنحولة له، ثم نمضي في البحث على هذا الأساس الحر، لننتهي إلى ما يؤدي | hindawi |
|
ويرد الرافعي على هذا الهجوم، فيؤكد أن علته الحقيقية ترجع إلى التمكن من لغة العرب
وأدبهم، فمن لم يجد في حياته الفرصة لهذه الدراسة، وشاءت له ظروفه أن يدرس لغة أجنبية، راح
يتهم اتهامات مصدرها عجزه عن التعبير بلغة العرب، وهنا يتدخل الدكتور طه حسين، فيُناصر سلامة
موسى بعض المناصرة، ويُصحح الرافعي فيما ذهب إليه، فيقول: «نعتقد أن الأستاذ الرافعي يُسرف في
هذا الحكم، ولعل مصدر إسرافه … أنه أخطأ فهم ما يكتب أنصار المذاهب الغربية، وهو إنما أخطأ
الفهم لأنه أخطأ الذوق وإنما أخطأ الذوق لأنه أخطأ الفهم، إن بعض أنصار المذهب الجديد … قد
أخذوا من اللغة العربية وآدابها بحظ لا بأس به، وإن قوتهم في اللغة الأجنبية وآدابها لم
تحملهم على أن يضيعوا حظهم في اللغة العربية وآدابها، إذن فانتصار هؤلاء لمذهب جديد ليس
ضعفًا، وليس اعتذارًا لأنفسهم وليس تعصبًا للأدب الأجنبي الذي تفوقوا فيه.»
وهذا مثل رابع نقدمه لما كان يشغل الأدباء والمفكرين في مصر إبان الفترة التي نتحدث الآن عنها — فترة ما بين الحربين — فلم يكن يكفي أن يختلف المختلفون على أي الثقافتين يجب علينا الانتماء إليها في نهضتنا الأدبية: العربية القديمة أم الأوروبية الحديثة؟ بل حدث خلاف فرعي بين أنصار الثقافة الأوروبية الحديثة أنفسهم، كان السؤال هذه المرة هو: أي الثقافتين الأوروبيتين يجب الأخذ بها قبل أختها؟ أهي ثقافة اللاتين أم ثقافة السكسون؟ وبدأ الحوار في هذا الموضوع بمقالة نشرها العقاد تعليقًا على كتاب أصدره أنطون الجميل عن «شوقي شاعر الأمراء»، فجاءت في هذا التعليق موازنة بين طريقة اللاتينيين في النقد الأدبي وطريقة السكسونيين، خلاصتها أن الأولين ينقدون الأدب، وكأنهم يتحدَّثون حديثًا ظريفًا في صالون، وأن الآخرين ينقدون الأدب نقدًا موضوعيًّا يضرب في لباب الموضوع بغير اصطناع الظرف الاجتماعي الواجب اصطناعه في ندوات الأصدقاء، وكان العقاد فيما كتب على اعتقاد بأن ثمة فرقًا بين | hindawi |
|
تميَّز تاريخ الحضارات القديمة بفترات من السلام والرخاء تناوَبت مع حروب وغزوات
وإخضاع، وقد نشأت الإمبراطوريات التي أسَّستها الغزوات العسكرية حين كانت بعض الحضارات
المدنية تغزو ثقافاتٍ أخرى وتفرض عليها خراجًا، لكن لم تصمد أيٌّ من هذه الإمبراطوريات
أكثر من بضعة قرون؛ إذ يتكون التاريخ القديم بالأحرى من سلسلة لا تنتهي فيما يبدو من
الحروب والغزوات والائتلافات، وفترات من النمو والاستقرار، يتبعها فترات من الانحلال
والفساد وسوء الإدارة والتدهور، ثم أخيرًا العودة إلى الحرب. خلاصة القول، كانت أهم
الاختلافات بين المدينة والدولة والإمبراطورية هي أن الدولة كانت دائمًا ما تشمل أكثر
من مدينة — رغم أن العاصمة كانت دومًا سائدة ومُسيطِرة بشكلٍ أساسي — أما الإمبراطورية
فكانت في العادة تضمُّ أكثر من ثقافة واحدة.
ورغم هذه الاختلافات، فإن الطبيعة الجوهرية للمجتمع المدني كانت ثابتة ثباتًا
ملحوظًا؛ فالسلطة والثروة كانتا مُتمركزتَين في المدن، بينما الغذاء والمواد الخام، وفي
بعض الحالات العمالة، كانت تتدفَّق من قرى الريف إلى المراكز المدنية. ومع إحلال مجموعة
من الحكام محلَّ مجموعةٍ أخرى، ظلَّ سكان الريف يزرعون محاصيلهم، ويُربون حيواناتهم،
ويُرسلون إنتاجهم إلى المدن في شكل ضرائب وخراج. وفي الوقت ذاته، ظلَّ سكان المدينة
يصنعون أشياء، ويُتاجرون مع المناطق البعيدة، ويُمارسون السلطات العسكرية والسياسية
والدينية التي ربطت هذه الحضارات معًا في نسيجٍ واحد.
| hindawi |
|
بعد الأمة العربية بقرون، كانت الآداب الفرنسية في القرون الوسطى شعرًا كلها: قصصيًّا
ثم غنائيًّا، حتى كانت الحروب الصليبية واتصل الفرنسيون بالشرق، فلمَّا عادوا إلى
بلادهم، وأخذوا يحدثون أهلهم عن هذه الرحلات، ظهر النثر الفرنسي، فكُتب التاريخ، واتصل
الفرنسيون بالعرب في الشرق والأندلس، ووصلت إليهم الفلسفة الإسلامية فأنشأ وصولها إليهم
حركة فكرية جعلت لهم فلسفة يدرسونها ويدافعون عنها، وكان هذا مظهرًا آخر من مظاهر النثر
عند الفرنسيين، فترون أن نشأة النثر العربي لم تكن بدعًا في الأمم.
ابن المقفع وعبد الحميد
في هذا العصر الذي أحدثكم عنه — القرن الثاني للهجرة — ظهر كاتبان يعتقد العرب
والمستشرقون أنهما هما اللذان أسسا النثر العربي، وفي هذا كثير من المبالغة، فلم يؤسس
النثر العربي كاتب بعينه، وإنما نشأ نشأة طبيعية ملائمة للشعب العربي الإسلامي.
وإنما الكاتبان امتازا امتيازًا ظاهرًا في هذا العصر حتى أصبحا رمزًا لهذا النثر الذي
ليس هو لغة التخاطب، ولا اللغة العلمية الطبيعية، ولا اللغة الفلسفية، ولا التاريخية،
ولكنه نثر فيه شيء من الفن، وفيه ميل إلى إحداث اللذة عند القارئ فوق العناية بتأدية
الفكرة.
| hindawi |
|
وكان الوفاء الزوجي أمرًا محترَمًا لدى بني إسرائيل، وكان زنا الأزواج يُعَدُّ جُرمًا
فظيعًا فيُعاقَب مقترِفه بالقتل، وزنا المرأة، لا زنا الرجل، هو المقصود هنا؛ وذلك لاستطاعة
الرجل أن يتزوَّج بالعدد الذي يرغب فيه من الزوجات الشرعيات وغير الشرعيات ما سمحت وسائله
له بذلك، وما كان الرجل ليُعَدَّ مجرمًا إلا إذا زنى بفتاة مخطوبة أو بامرأة متزوجة، فهنالك
يُقتَل.
وليس زنا الأزواج هو الجُرم الوحيد الذي تحرِّمه الشريعة على مزاج بني إسرائيل الداعر،
ففي شريعتهم تعدادٌ لدعارات عنيفة مع شدة عقوبة مَن يقترف إحداها، وتُثْبِت هذه الشدةُ
كثرةَ المخالفات.
وسِفاحُ ذوي القربى، أي الزنا بالأخت والزنا بالأم، واللواط والمساحقة ومواقَعة البهائم
من أكثر الآثام التي كانت شائعةً بين ذلك الشعب الذي نصَّ تاسيت على شَبَق له لا يُروَى
غليله.
وأريد لدى بني إسرائيل — كما عند كل شعب ذي غُلْمَةٍ — خلطُ أفظع الملاذِّ بالطقوس
المقدسة، وموافقة الشريعة على هذه الملاذ، فعُدَّت ضروب البغاء تكريمًا لعَشْتَروت، وعُدَّ
الانهماك في السكر على بُسط الأزهار وتحت ظلال شجر الزيتون في الليالي الرطيبة نوعًا من
العبادة التي لم تفتَأْ تُمارس آنئذٍ في فلسطين، على الرغم من غضب الأنبياء.
| hindawi |
|
الحق أننا لا نجد صفة نصف بها الحياة الفكرية في عشرينيات هذا القرن، أصدق من أنها كانت
حياة تمهد الأرض لبناء جديد يقام عليها حين تحين الفرصة المناسبة؛ ولذلك شغل الكتاب جميعًا
في تلك الحقبة بالتنوير عامة وبالتنوير فيما يمس الحرية العقلية والفنية والسياسية بصفة
خاصة، وفي هذا النشاط التمهيدي لذلك العصر يقول إبراهيم عبد القادر المازني: «قضى الحظ أن
يكون عصرنا عصر تمهيد، وأن يشتغل أبناؤه بقطع هذه الجبال التي تسد الطريق، وبتسوية الأرض
لمن يأتون بعدهم، ومن الذي يذكر العمال الذين سووا الأرض، ومهدوها ورصفوها، ومن الذي يُعنى
بالبحث عن هؤلاء المجاهدين الذين أدموا أيديهم في هذه الجلاميد، وبعد أن تمهد الأرض وينتظم
الطريق يأتي نفر من بعدنا ويسيرون فيه إلى آخره، ويقيمون على جانبيه القصور شاهقة باذخة،
ويذكرون بقصورهم وننسى نحن الذين أتاحوا لهم أن يرفعوها شاهقة رائعة، والذين شغلوا بالتمهيد
عن التشييد، فلندع الخلود إذن ولنسأل كم شبرًا مهدنا من الطريق» (من مقدمة «حصاد
الهشيم»).
| hindawi |
|
جوٌّ بارد وأحداثٌ ساخنة
كانت ليلة باردة من ليالي فبراير … والشوارع خالية، والرؤية غير
واضحة بسبب الضباب الكثيف، ورغم ذلك فقد كان «أحمد» يرتدي ثيابه بسرعةٍ
لمقابلة عميلٍ من عملاء رقم «صفر» في فندق «كنج إدوارد» في إحدى ضواحي
مدينة «لندن» ليتسلَّم منه تقريرًا هامًّا أرسله معه رقم «صفر»
…
كانت الشوارع خالية قطعها «أحمد» بسرعة، ولكن قاعة الفندق كانت
مزدحمة بالرواد الذين جاءوا لقضاء السهرة في الفندق الشهير.
ولم يكن عسيرًا على «أحمد» أن يجد الأستاذ «عدنان» وسط هذا الزحام؛
فقد كان «عدنان» من أساتذة الشياطين في تمارين ضرب النار، وكان «أحمد»
سعيدًا لمقابلته بعد غيابٍ طويل …
كان «عدنان» رجلًا في العقد الخامس من عمره يشوب وجهه الاحمرار، وكان
يجلس في أحد أركان القاعة، وكان اللقاء حارًّا بين المعلم وتلميذه
الشاب.
تسلم «أحمد» منه التقرير وبعض الصور، وغادر الفندق إلى مقرِّ
الشياطين في قلب «لندن»؛ لدراسة التقرير والرد عليه سريعًا كطلب رقم
«صفر» …
| hindawi |
|
هكذا، في المكان الذي كان موقعه الجغرافي مؤاتيًا، كانت الحياة الزراعية المستقرة
كافية — حتى مع غياب الأدوات والأسلحة المعدنية — لتشجيع ميلاد حضارات، بما يُكمِّلها
من دواوين الدولة، والديانات المنظمة، والحروب المنظمة، والتجارة البعيدة المدى، وأنظمة
الكتابة، والمعرفة المتقدمة بالرياضيات والفلك، إلا أن تطور التعدين في وديان الأنهار
القديمة لعب بالفعل دورًا مهمًّا في تطور الحضارات المدنية، ليس فقط بتزويدها بأدوات
وأسلحة فائقة، وإنما بتحفيز الابتكار في تقنيات النقل على الأخص، التي كانت ضرورية من
أجل ممارَسة التجارة بين مجتمعات واقعة في مناطق جغرافية متباعِدة.
بدأ تشكيل المعادن أولًا في الشرق الأوسط منذ نحو عشرة آلاف عام مع صهر شذور النحاس
الموجودة في الطبيعة في جبال شرق تركيا وشمال سوريا وطرقها؛ فالنحاس معدنٌ رخو يسهل
تشكيله، ومن خلال التسخين المتكرِّر لشذور النحاس في نيران الأخشاب العادية، كان يمكن
طرقها بسهولة لتحويلها إلى أشكالٍ متعددة. في البداية، كانت الكميات الصغيرة من النحاس
التي يمكن استخراجها من الرواسب الطبيعية تكفي فقط لصنع الخواتم والخرز والدلايات
المستخدَمة في الزينة الشخصية، وكان للنحاس أثرٌ ضئيل في النواحي التقنية الأخرى
والحياة الاقتصادية.
| hindawi |
|
– اسمع يا أبي، اسمع ما يقوله ملك العفاريت: أحبك، أحبك ويسحرني وجهك الفاتن وشكلك البديع، تعال معي تعال معي تعال، ولا تكن الولد العنيد! وإذا لم تطعني فسوف أستخدم معك قوتي وبأسي
الشديد، آه!
إنه يمد يده إليَّ ويمسك بخناقي بيدٍ من حديد. آه! أنقذني يا أبي، أحس في صدري وجنبي
بالألم الشديد.
والأب أيضًا أحس بالألم الشديد وداهمه الرعب المخيف، ضرب بعصاه الحمار العجوز الذي لم يكف
عن لكزه طول الطريق، لف ذراعه حول الجسد الواهن المحترق وشده إلى صدره ليحميه من البرد
والضباب والريح، ما هي إلا خطوات حتى لاح المبنى الأبيض كالوجه الطيب من بعيد.
وعندما وصل إلى البوابة الضخمة نزل من على الحمار الذي ربطه إلى حديد السور، وانطلق يجري
إلى الداخل ليسلم الولد للطبيب.
(٢) لورا لاي
لا لست أدري ما الذي جرى لي، ولا لماذا تتملك قلبي الأحزان؛ لأن هذه الحكاية من سالف
العصر والأوان، لا تريد أبدًا أبدًا أن تغيب عن بالي.
| hindawi |
|
ثم من الذي يستطيع أن ينكر أن في أدبنا العربي القصصي جمالًا ليس أقل من جمال
الإلياذة والأودسا؟ وليس ذنب الأدب العربي ألا يقرأه الناس ولا يعرفوه.
أي الأدباء عنى بقصص أبي زيد وعنترة، وما إليه من الأقاصيص الكثيرة التي تغنى بها
العامة؟
أيكم يدرسه فهو مضطر إلى أن يعترف أن للأدب العربي من هذا الجمال الفني الرائع ما لا
يقل عن الإلياذة والأودسا.
فليقرأ أدباؤنا أولًا، وأنا واثق أن هذا الأدب الذي ندعه لقهوات العامة ونزدريه،
سيحدث في أدبنا العربي نهضة واسعة المدى.
مكانة النثر من الأدب العربي
كان بعض الذين يُعنَون بالأدب العربي ويدرسونه في المدارس الرسمية لا يتحرجون أن
يقولوا إنه فقير لا حظ له من النثر، فأما النثر الفني الرائع الذي نجده عند الفرنسيين
والإنجليز فليس للأدب العربي حظ منه.
ولست أستطيع أن أصف هذا القول بأقل من أنه كلام من لم يقرأ الأدب العربي، فأما الذين
يقرءون الجاحظ، وابن المقفع، وأبا حيان، وابن العميد، والصاحب بن عباد، والهمذاني،
ويلتمسون معرفة الفنون المختلفة التي تعرضوا لها، فسيرون أنها ليست شيئًا ضيقًا محصورًا
في بعض الكتب والرسائل، إنما هي شيء خصب غزير.
| hindawi |
|
هذا ومن الحق أن نسجل لتوفيق الحكيم ما قرره هو نفسه من مرونة طبعه وقدرته على التكيف، في
مقال له بعنوان «الحياة هدف وإرادة»، المنشور في أحد كُتبه الأخيرة وهو كتاب «أدب الحياة»،
وهذه القدرة على التكيف هي التي مكَّنته من أن يتطور بفنه نحو الحياة التي يعيشها مجتمعه
ويحاول أن يساهم في تطويرها، فنتج عن ذلك اتجاهه الأخير الذي سميناه الاتجاه نحو المسرح
الهادف.
| hindawi |
|
النهاية بالصفقة. وفي هذا — كما قلنا — ما يوحي بالثقة في الشعب وبقدرته على هزيمة الإقطاعيين رغم الأوهام المترسبة في نفوس هؤلاء الفلاحين، وبالرغم من الطابع الكاريكاتيري الذي يبدو في بعض أحداث هذه المسرحية، فإنها مع ذلك تبدو مسرحية إيجابية مستندة إلى فلسفة اجتماعية خيِّرة مؤيدة لفلسفة حياتنا الجديدة أو كما قلنا صدى لهذه الحياة. •••
وفي رأينا أن خير ما كتب توفيق الحكيم من نقد واقعي لحياتنا ومجتمعنا قبل ثورة ٢٣ يوليو
سنة ١٩٥٢ لا نجده في مسرحياته، وإنما نجده في ذكرياته التي سجلها عن فترة عمله وكيلًا
للنائب العام في القضاء الأهلي في طنطا ودسوق ودكرنس وغيرها، وقد صاغها في قالب قصصي
استعراضي حتى في كتابه «يوميات نائب في الأرياف» حيث يصور المظالم التي كانت شائعة في
بيئاتنا الريفية، ثم في كتابه «ذكريات في الفن والقضاء» الذي نشره في سلسلة «اقرأ» عام
١٩٥٣، وهو يُعتبر استمرارًا ﻟ «يوميات نائب في الأرياف»، وتصور «ذكريات في الفن والقضاء»
نفس المفاسد والمظالم أو شبيهًا لها. وتأتي قيمة هذين الكتابين من أنهما يُعتبران تصويرًا
على الطبيعة، وتنبع قيمة هذين الكتابين الفنية من براعة الحكيم في استخدام الحوار فيهما
والاعتماد عليه اعتمادًا كبيرًا، ثم من روح السخرية والتهكم والإشفاق المغلف بالابتسام في
تصوير تلك المشاهد المحزنة.
| hindawi |
|
صلة ابن المقفع بالثقافة اليونانية
هذه الفكرة التي يُعنَى الناس بها الآن لم يبتدعها ابن المقفع، بل هي أثر من آثار
الثقافة اليونانية، فقبل ابن المقفع بقرنين نشر «جوستنيانوس» قانونه، وهو مجموعة
القوانين الرومانية.
عود إلى التلخيص
ثم ينتقل إلى الشام فيطلب إلى الخليفة أن يحتاط في سياسته، ويطلب إليه أن يشتد عليهم
في عدل، فيخصص لهم فَيْئَهُمْ، وينتقل بعد ذلك إلى آراء تشبه هذه، أكتفي بالأخير منها،
وهو أنه يطلب إلى أمير المؤمنين أن يعين في الأمصار جماعة من الخاصة، يكون أمرهم تأديب
العامة ومراقبة أعمالهم؛ فإن العامة لا تصلح بنفسها إلا إذا وجدت مؤدبين من الخاصة،
والخاصة لا تستطيع أن تعيش إلا إذا كان لها من الإمام مؤدب.
وهذه الفكرة تدل على اتصال ابن المقفع بثقافة اليونان؛ إذ كان ذلك معروفًا شائعًا عند
اليونان، وهي وظيفة المحتسب الذي يُعهَد إليه مراقبة العامة في أنديتهم ومجالسهم
وأسواقهم.
| hindawi |
|
الكواكب العملاقة
ومن المتعارف عليه أن حجم أي كوكب عملاق يقاس بدءًا من قمة سُحُبه، وتوجد هذه السحب في
طبقة التروبوسفير الخاصة بالكوكب، والتي يعلوها طبقات شفافة ذات كثافة تتناقص باستمرار، وهي
قابلة للتصنيف بنفس الطريقة التي يتم بها التعامل مع الغلاف الجوي لكوكب الأرض. وقاعدة طبقة
التروبوسفير في الكوكب العملاق يصعب تحديدها، ولم يتم استكشافها قط حتى في حالة كوكب
المشتري؛ إذ إنه في عام ١٩٩٥ وصل مسبار أطلقته مركبة
الفضاء «جاليليو» إلى عمق ١٦٠ كيلومترًا أسفل قمم السحب قبل أن يحطمه الضغط (ضغط ٢٢ غلافًا
جويًّا معًا)، ودرجة الحرارة (١٥٣ درجة مئوية). الأرجح أن طبقة التروبوسفير في الكوكب
العملاق تندمج بإحكام مع الجزء الداخلي المائع في درجات حرارة وضغوط مرتفعة جدًّا، لدرجة لا
يمكن التمييز عندها بين الغاز والمائع. وبالتأكيد ليس هناك سطح صلب استطاع أن يقف عليه
إنسان قط.
(١) باطن الكواكب العملاقة | hindawi |
|
في عرين الأسدمن «تختخ» إلى «محب»حاول أن تراقب السيارة التي دخلت القصر ليلًا … قد تعود مرة
أخرى … ومن المهم أن تعرف هل تدخل السيارة إلى القصر محملة
بشيء، ثم تخرج فارغة، أم العكس؟إن معرفة هذا قد يُضيء بصيصًا من النور في الظلام الذي يحيط
بهذا القصر العجيب … واكتب لي سريعًا.من «محب» إلى «تختخ»لم تظهر السيارة خلال الأيام الأربعة الماضية … وقد ظللت كل
هذه الليالي ساهرًا أُراقب … وأمس ليلًا عادَت السيارة إلى
الظهور … في نفس الموعد نحو الثانية صباحًا. إنها ليسَت سيارة
نقل عادية، بل سيارة من سيارات نقل الأثاث الكبيرة المغلقة …
وأستطيع أن أؤكِّد أنها دخلت القصر فارغة … وخرجت بعد نحو
ساعتَيْن مُحمَّلة … وقد عرفت ذلك من صوت «الموتور» أولًا
وطريقة سير السيارة ثانيًا … فقد كان صوت الموتور خفيفًا عندما
وصلت … وثقيلًا عند خروجها … كذلك كانت السوست تئنُّ وهي خارجة
… ومعنى هذا أنها محملة … إنك تفهمني طبعًا فصوت السيارة
الفارغة يختلف كثيرًا عن صوت السيارة المحملة. | hindawi |
|
كل هذا يدلنا على ما قدمت من أنَّ شوقي لم يدرس أرستطاليس قبل أنْ يمدحه فلندع هذا العيب
الأساسي إلى ملاحظات أخرى فنية. انظر إلى هذه الأبيات:
ألاحظ قبل كل شيء أني لو كنت مكان شوقي لما ذكرت الألمب بعد أنْ زعمت أنَّ أرستطاليس كان
على نهج المسيح، وفي رشد الكليم، فالألمب مستقر الوثنية اليونانية، وعلى قمته كان يقوم قصر
كبير الآلهة زوس، وألاحظ بعد هذا أنَّ القافية قد عبثت بهذه الأبيات عبثًا غير قليل، فما
وادي الصريم هذا؟! وما صلة لطفي السيد بوادي الصريم، وهو إنما نقل أرستطاليس إلى وادي
النيل؟ وما شأن تميم؟ وهل من الحق أنَّ اللغة التي ترجم الكتَّاب إليها هي لغة تميم؟ وهل
نعرف لغة تميم حقًّا؟ ولِمَ لا تكون لغة قريش فهي لغة القرآن وهي اللهجة العربية الوحيدة
التي نعرفها حقًّا؟ ولكن تميمًا والصريم ينتهيان بالميم، وكم كنت أحب ألا يخضع شوقي للقافية
هذا الخضوع.
وبعد، فإن من الجحود والظلم ألا أثني على هذا البيت القيم الملائم للحق ملائمة تامة وهو
قوله:
| hindawi |
|
إن القائمة لتطول بنا ألف ألف فرسخ، إذا نحن أخذنا نعد التفصيلات الجزئية التي يراد
تغييرها، كأن نحصر الأفراد الذين يراد لهم أن يصحوا بعد مرض، وأن يعلموا بعد جهل، وأن
يطعموا بعد جوع، وأن يكتسوا بعد عري، وكأن نحصر الطرق التي يراد لها أن ترصف، والحشرات التي
لا بُدَّ لها أن تباد، والأرض التي لا بُدَّ أن تزرع والمصانع التي لا بُدَّ أن تقام … تلك
تفصيلات جزئية تعد بألوف الألوف، لكنها تندرج كلها تحت مبادئ محدودة العدد، ثم تندرج هذه
المبادئ بدورها تحت ما يُسمى بالقيم أو المعايير التي عليها يقاس ما نريده وما لا نريده
لحياتنا الجديدة، فإذا أنت غيرت ما لدى القوم من معايير وقيم، تغير لهم بالتالي وجه الحياة
بأسرها.
ولا تكون إرادة التغيير قد نالت من حياتنا قيد أنملة إذا نحن لم نوحد في أذهاننا توحيدًا
تامًّا بين العام والخاص، فتلك من أولى القيم التي لا بُدَّ من بثها في النفوس وترسيخها في
الأذهان، فنحن بما ورثناه من تقليد اجتماعي أحرص ما نكون على الملك الخاص، وأشد ما نكون
إهمالًا للملك العام، فالفرق في أنظارنا بعيد بين العناية الواجبة بالابن والعناية الواجبة
بالمواطن البعيد، بين العناية بتنظيف الدار من داخل والعناية بتنظيف الطريق، الفرق في
أنظارنا بعيد بين المال نملكه والمال تملكه الدولة للجميع، بين العيادة الخاصة يديرها
الطبيب الذي يستغلها والمستشفى العام يديره الطبيب نفسه ولكنه يديره باسم الدولة، الفرق في
أنظارنا بعيد بين معنى «أنا» و«نحن» وبين «هو» و«هم»، فما زال الذي يشغلنا هو هذه الأنا
والنحن اللتان لا تعنيان أكثر من الأسرة وحدودها، وأما هو وهم اللتان تمتدان لتشملا أبناء
الوطن جميعًا فما تزالان في أوهامنا تدلان على ما يشبه الأشباح التي لايؤذيها التجويع
والتعذيب.
| hindawi |
|
أجاب بويل: «من الأفضل الاتصالُ بالشرطة في الحال. يجب أن يسبقوه ويُمسكوا به بفضل
سيَّاراتهم وهواتِفهم التي ستَصِل إلى مَدًى أبعد بكثير ممَّا سنصل إليه إذا ركَضْنا في
أنحاء القرية بثياب النوم، ولكن ربما توجد بعضُ الأشياء التي لا تستطيع سيارات الشرطة
وكابلات هواتفِهم أن تتفوَّق عليها.»
وبينما كان جيمسون يتحدث إلى قسم الشرطة هاتفيًّا بصوتٍ مضطرب، ذهب بويل مرَّة أخرى إلى
الشرفة، وتفقَّد مشهد الفجر الطبيعي الرمادي سريعًا بعينيه. لم يرَ أيَّ أثرٍ للرجل ذي
العمامة، ولا أيَّ علامة أخرى على الحياة، باستثناء بعض التحرُّكاتِ الطفيفة في نُزُل «بلو
دراجون» التي ربما كان سيَعرف ماهيَّتَها لو كان خبيرًا. ولأول مرة، فطن بويل إلى شيءٍ كان
يراه دون انتباهٍ بعقله اللاواعي طوالَ الوقت. كان هذا الشيء كحقيقةٍ تُصارِع في عقله
اللاواعي من أجل إبراز نفسِها وتطلُب تَفسيرًا لها، حقيقةٍ مفادُها أنَّ المشهد الطبيعي
الرمادي لم يكن رماديًّا بالكامل قَطُّ، بل كان يحتوي على بُقعةٍ ذهبية؛ مصباح مضاء في أحد
البيوت على الجانب الآخر من المَرج القديم. وحينئذٍ، أوحَى إليه شيءٌ ما، ربما غير منطقي،
بأنَّ هذا المصباح كان مضاءً طوال ساعات الليل، ولم يتضاءل ضوءُه إلَّا مع سطوع ضوء الفجر.
ثم عَدَّ البيوت، وتوصَّل إلى نتيجةٍ يبدو أنها تتناسبُ مع شيءٍ ما، لكنَّه لم يعرفه. على
أي حال، كان واضحًا أن هذا البيت هو بيت الكونت إيفون دي لارا.
| hindawi |
|
إذا كانت التحوُّلات الثقافية التي تسبَّبت فيها الآلات الدقيقة قد قلَّلت من وضع
المرأة في النهاية في منتصف القرن العشرين بجعل الآلة تؤدي الكثير من الأعمال المنزلية،
فإن تحوُّلات التقنية الرقمية قلَّلت هي الأخرى من مكانة الرجل في القرن الحادي
والعشرين بجعل أغلب الأعمال الذهنية والبدنية التي كان الرجال يؤدُّونها في الأصل تقوم
بها أجهزة الكمبيوتر والروبوتات والأنظمة الآلية.
لكن تبيَّن أن زيادة وقت الفراغ ليست مشكلةً كبيرة؛ فرغم أن وقت فراغ العامل الأمريكي
العادي قد زاد عدة ساعات أسبوعيًّا منذ خمسينيات القرن العشرين، فإن معظم وقت الفراغ
الإضافي هذا يُقضى في مشاهدة التلفزيون. بالإضافة إلى هذا، يتقاعد الملايين من الرجال
والنساء من وظائفهم كل عام، ويعيش العديد من المتقاعِدين عشرة أو عشرين أو ثلاثين عامًا
قبل وفاتهم بسبب الشيخوخة. ويجد معظم المتقاعِدين أشياء مُفيدة ومُجْزية ليقضوا فيها
وقتهم. وهكذا، بدلًا من أن تخلق الزيادة في وقت الفراغ مشكلة لا بد من حلها، صارت يُنظر
إليها باعتبارها فرصةً يمكن استغلالها. ولكن لا ينطبق الشيء نفسه على رجال ونساء في أهم
مراحل حياتهم وقد حُرموا من وظائفهم ورواتبهم والكثير من احترامهم لذواتهم عندما استولت
أجهزة الكمبيوتر والروبوتات وأنظمة التشغيل الآلي على العمل الذي كانوا يؤدونه.
| hindawi |
|
ونحن بعد كل ذلك لا ينبغي أن نقتصر في تفسير الظاهرة على تحميل الجمهور أو المخرجين
مسئوليتها، بل لا بد أن ننظر نظرة موضوعية في الأسباب الفنية التي لها دخْل أكيد في
تفسيرها.
وأهم تلك الأسباب فيما نرى هو أن الجمهور أو الإنسان بوجه عام لا يمكن أن ينفعل ويتأثر بالتجارب التي يراها على خشبة «المرسح»، إلا إذا كان الإنسان بلحمه ودمه وأعصابه طرفًا في الصراع الذي يجري أمامه، فلا بد لنا — كما قال أرسطو منذ أقدم العصور — من أن نستشعر الشفقة بالإنسان والفزع من المأساة التي تنزل به لكي ننفعل ونتأثر وتتطهر نفوسنا. وسر عظمة سوفوكليس في مسرحيته التي تقصفت دون النجاح في معارضتها جميع الأعلام، هو أنه أجرى صراعه العاتي بين الإنسان البريء المظلوم وبين الحقيقة المدبرة ضده في الظلام لتسحقه، فنحن نتعاطف معه ونشاركه مأساته ونشفق عليه ونفزع لهول كارثته المرتقبة، ومن هنا تأتي القوة الدرامية للمسرحية وتأثيرها الجبار على المشاهدين، وأما عندما يأتي توفيق الحكيم ليُجري الصراع بين ما يسمِّيه «الواقع» و«الحقيقة» أخذًا بما يسميه «المطلق من المعاني»، فنحن لا نتأثر ولا ننفعل ولا نشفق ولا نفزع، بل نشمئز من البطل نفسه عندما يحاول باسم الواقع أن يستمر في | hindawi |
|
إلى كاليفورنيا
أحس أبيض الناب بأن أمرًا ما يوشك أن يقع؛ أمرًا لن يروق له. كان سيده يتصرف على نحو شديد
الغرابة، وكانت الأشياء الموجودة حول الكوخ تُنقل وتُعبأ في صناديق وحقائب السيارات. لذلك
بدأ أبيض الناب يشك في أن ويدون سيرحل ثانيةً.
قال مات: «استمع إلى ذلك!» كان أنينًا خفيضًا يشوبه الأسى يأتي عبر الباب من الشرفة
الأمامية.
قال ويدون: «وماذا عساي أن أفعل! لا يمكنني اصطحاب الذئب إلى كاليفورنيا.»
عاد مات لحزم أمتعة صاحبه وهو يقول: «أنا لا أجادلك، لكن كل ما أقوله إنني أظن أن الذئب
يفهمك جيدًا.»
أنصت ويدون إلى نحيب الذئب وكان ذلك شيئًا مروعًا، لكن ماذا يمكنه أن يفعل. لن يكون من
الإنصاف أن يصحبه معه إلى الجنوب؛ فالجنوب ليس موطنه.
قال مات بعدما انتهى من غلق الحقيبة الأخيرة: «حسنًا، نحن جاهزون، هيا بنا نقلك إلى
القارب.»
| hindawi |
|
توقف المغنِّي العجوز أمام البوابة العالية، وأمسك بقيثاره الذي يغار منه أي قيثار، ثم رفع
يده وحطمه على عمود مرمري، وأخذ ينادي ويصيح بصوتٍ جلجل في القصر وفي الحدائق الغنَّاء: «ويلٌ
لكِ أيتها القاعات المغرورة، أبدًا لن يتردد في أبهائك وتر، لن يصدح فيك غناء. لا لا، بل
أصوات الآهات والحسرات وخطوات عبيد، حتى تدوسك روح الانتقام وتحولك إلى عفن ورماد.
ويل لك أيتها الحدائق المعطرة في ضوء الربيع البديع، ها أنا ذا أريك الوجه المشوه لهذا الميت
الحبيب، حتى تجف أوراقك وأشجارك، وينضب كل نبع فيك، وتتحجري في مستقبل الأيام، وتتحولي إلى
صحراء يباب.
ويل لك أيها القاتل الملعون، أنت يا لعنة الغناء والمغنِّين، ليذهب أدراجَ الرياح كلُّ كفاحك
للحصول على أكاليل المجد الدموي، ليُنسَ اسمُك، وَلْيغُصْ في أعماق الليل الأبدي، وليتبدد في
الخلاء كحشرجة الاحتضار الأخير.»
نادى العجوز واستجابت السماء للنداء؛ فتداعت الجدران والأسوار، وخربت الأبهاء، وبقي عمود
عالٍ يشهد على الأبهة الزائلة، بل إن هذا العمود يمكن أن يتهاوى بين ليلة وضحاها.
| hindawi |
|
استسلم «عاطف» للنوم فورًا … ولكنه استيقظ مذعورًا بعد دقائق، لقد سمِع صوتًا غريبًا يتحدث
… ومدَّ يده سريعًا إلى مِفتاح النور، وأضاء الغُرفة، ونظر حوله، ولكن لم يكُن هناك شيء على
الإطلاق سِوی «تختخ» الذي كان نائمًا تمامًا.
تأكَّد «عاطف» أنه كان يحلُم، وعاد مرةً أخرى فأطفأ النور، واستسلم للنوم … ولكن مرةً أخرى
خُيِّل إليه كأنه يسمع صوتَ رجلٍ يتحدث …
استيقظ «عاطف» مرةً أخرى وأضاء النور، ومرةً أخرى لم يجِد شيئًا، ولكنه هذه المرةَ لم يعُد إلى
النوم … لقد غادَر الفِراش وفتَّش الغُرفة جيدًا … ولكنه لم يجِد شيئًا، وخرج إلى الشُّرفة، ولكن
لا أحد هناك.
عاد «عاطف» إلى الحجرة مرةً أخرى، وأخذ ينظر إلى نفسه في المِرآة. كانت هناك إصابة من لكمةٍ
تحت عينَيه، وكان شعره منكوشًا، وهزَّ رأسه قائلًا: لا بد أني مُضطرب الأعصاب بعد أحداث
الليلة، وسأنام هذه المرة … ولن أستسلم لهذه الخيالات.
| hindawi |
|
ظلَّ في تقدمه، ومضى الوقت، بينما كانت الإشارات متبادلة بين الشياطين. كانت النقطة «ج»
تقترب، وفجأة وصلته رسالة: «انتظر!» فتوقَّف يفكر في الرسالة، ومن بعيد رأى شبحين يقتربان،
وكانا «أحمد» و«بو عمير»، فاجتمع الثلاثة معًا، بينما كانت أسماك القرش تدور حولهم إلَّا أن
الدخان السام كان يصنع حولهم دائرة تجعل الأسماك تخشى الاقتراب. وعن طريق الإشارات، بدأ
الحديث بينهم.
قال «أحمد»: لقد فقدنا أثر «عثمان». فالمفروض أنه أول من يصل الجزيرة. لقد أرسلت له عدة
رسائل لكنه لم يرد. يبدو أن شيئًا قد حدث! وضغط على زرٍّ في ساعة يده. كانت تشير إلى
الخامسة والنصف. فقال: إن الوقت بداية النهار، ولو ظهرنا الآن فقد نقع كما وقع «عثمان»!
ولم ينطق أحد.
مرت لحظةٌ صامتةٌ، ثم قال «بو عمير»: يجب أن ندور حول الجزيرة، ونستطلع المكان!
بدأ الشياطين يتحرَّكون في اتجاه الشرق في شكل قوسٍ حول الجزيرة، ثم أخذوا يتجهون إلى
شاطئها. كان الشاطئ صخريًّا. فجأة بدا أمامهم كهفٌ مظلمٌ، فأخرج «أحمد» بطارية، ثم أضاءها
وتقدَّم … كانت الصخور ترتفع، فارتفع معها. ومن بعيدٍ، لمعت بقعة ضوءٍ، فقال: إن هذا المكان
يصلح للتحرُّك.
| hindawi |
|
وفجأةً نطق الفم المتجمد، وقال لها: «تعالي نتمشَّى يا أحب الناس، طالما القمر يحمينا،
وعيوننا ترى النجوم.»
سارا فوق حقل القمح، الذي جرفته الدبابات، الحقل الذي رواه الدم، وسمدته الأذرع والسيقان،
ورطبته أنفاس الموت.
قال الميت: «انظري يا حبيبتي، هذا الحقل البور. آه، كم من الزمن مضى على هذا؟! قد زرعته
يداي.
كنتِ واقفة هناك، حيث يهبط القمر الآن وراء السحب، هل ما زلت تذكرين؟ عندها أشرتِ
إليَّ.»
تنصت العروس وتصمت وتشعر بالذراع التي تطوِّق جسدها باردةً كالثلج، في ليلة عرسها، بينا هي
الآن زوجته.
راحت تخطو بجواره مشدودةَ القوام، تحس بأن قلبها ثقيل ثقيل، وهو بجانبها يخبط الأرض
بقدميه، متوكئًا على سلاحه الصدئ.
لما رآها غارقةً في الصمت، بدأ هو الكلام. قال لها: «هل تعلمين يا حبيبتي أنني زرعت
الألغام في هذا الحقل الذي نمَتْ فيه سنابل القمح؟
| hindawi |
|
إن التفرقة بين «المثقف» و«المثقف الثوري» هي نفسها التفرقة بين «العلم للعلم» و«العلم
للمجتمع»، نعم، إنه لا مراء في أن العلم في حد ذاته قيمة، فمن يعلم خير ممن لا يعلم، مهما
تكن مادة علمه، لكن العلم الذي من شأنه أن يعالج مشكلات الناس في حياتهم اليومية، فيه علم
وزيادة، فيه قيمة العلم مضافًا إليها قيمة التطبيق، والحق أني — بحكم ما أذهب إليه في فلسفة
المعرفة بصفة عامة — لا أعترف بعلم لا تكون فيه قابلية التطبيق، بل لا أدري كيف يكون ذلك،
اللهم إلا في حالة واحدة، وهي أن يجعل الدارس من نفسه «ذاكرة» تحفظ ما قاله الأولون،
وعندئذٍ لا يكون ثمة «علم» بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، بل يكون في رأس الدارس «مكتبة» يرجع
إليها كما يرجع إلى الكتب المرصوصة فوق الرفوف.
العلم علم بشيء، ولا يتم لك مثل هذا العلم إلا إذا ألممت بذلك الشيء حلًّا وتركيبًا، ومِن
ثَمَّ تصبح لديك القدرة على التصرف فيه تصرفًا تخدم به أغراضك؛ ولذلك قيل إن «العلم قوة» أعني
أن العلم «قدرة»، قدرة على تغيير جزء من العالم الخارجي — جزء كبير أو جزء صغير — تغييرًا
يصيره بيئة صالحة لحياة أفضل، قدرة على أن أجعل من الماء مصدرًا للري ولتوليد الكهرباء
وتسيير السفن، وعلى أن أجعل من الهواء أجنحة للطيران، وأسلاكًا تنقل الصوت والصورة من مكان
إلى مكان، ليس العلم حالة بكماء خرساء، نقف بها إزاء الدنيا متفرجين لما يحدث، دون أن نغير
بها تيار الحوادث ونوجهه كيفما نشاء، فما لم يكن العلم «قوة» أو «قدرة» على إخصاب الأرض،
وإزالة المرض، وتنقية الماء والهواء، وتيسير الانتقال، وغير ذلك من إقامة جوانب الحياة،
فماذا يكون؟
| hindawi |
|
– ولكنك مراسل جريدةٍ خصيمة عنيدة تتهم الإنجليز بأنهم كلابٌ
قذرة، ونحن لا نعطي هذه الأخبار إلا للصحف الموالية لنا، فهل لك
وقد جئتَ إلى دارنا أن تُبلغ الأستاذ الرافعي أن هذه العبارة التي
كتبها إبراهيم عبد القادر المازني تستحق الاعتذار حتى لا تتعرَّض
الأخبار للمحاكمة.
ويخرج صحفي الأخبار ويُبلغ الرافعي رئيس التحرير بما كان من أمر
السكرتير الشرفي، فإذا الرافعي يبدأ حملةً جديدةً أشد في ألفاظها
وأقسى من السابقة، ويقول فيها بمنطقٍ لا يقبل الجدل: «إن الإنجليز
يرون في الكلمات شيئًا يستحق المحاكمة، ولا يرون في ضرب الأبرياء
الآمنين السودانيين ما يستحق المؤاخذة.»
وفي عام ١٩١٤ يشعُر الرافعي أن إنجلترا ستُعلِن الحماية على مصر،
وأنها ستمنع الخديو عباس حلمي الثاني من العودة إلى مصر، وأنها
تستعين بدلًا منه بالأمير حسين كامل. وكان من الطبيعي أن يدرك أن
قرار إعلان الحماية لا بد من نشره في الصحف عند صدوره بسبب وجود
الأحكام العرفية والرقابة على الصحف. وينتظر الرافعي إعلان
الحماية، وقد بيَّت أمرًا؛ فما إن صدر الإعلان حتى أعلن هو إغلاق
جريدة الشعب التي كان يُصدرها حتى لا يُنشر هذا الإعلان في جريدةٍ
مصرية تحمل اسمه. ويصف الدكتور عبد العزيز رفاعي هذا القرار في
كتابه ثورة مصر سنة ١٩١٩ بقوله: إن قرار أمين الرافعي بوقف إصدار
جريدة الشعب هو أول احتجاجٍ مصري على الحماية البريطانية.
| hindawi |
|
ثائرة بجماليون ويعذِّبه الشقاء، فيعود إلى الإله ضارِعًا أن يردَّ جالاتيا تمثالًا حجريًّا كما كانت، بل يبلغ به الغضب أن يحطِّم التمثال بعد أن استجاب الإله لرغبته، وكأنه ينتقم من هذا التمثال لأنه أثار غريزةَ الحياة في نفسه، وردَّه أول الأمر مقهورًا إلى المرأة. | hindawi |
|
والتعاون الكبير التالي الذي يمكن أن يتم بين وكالة ناسا الفضائية ووكالة الفضاء
الأوروبية في مجال استكشاف الكواكب الخارجية من المجموعة الشمسية، من المرجح أن
يكون بعثة فضائية إلى منظومة كوكب المشتري. وسوف يكون هدف تلك البعثة الأساسيُّ
التحققَ من وجود محيط بالقمر أوروبا، باستخدام رادار مخترق للجليد، وعن طريق قياس
مقدار الانحناء المدي (الذي قد لا يتجاوز نحو متر واحد في حالة الجليد السميك
المستقر في القاعدة، وقد يصل إلى نحو ٣٠ مترًا بالنسبة لهيكل جليدي «رقيق» يطفو على
سطح محيط). والمؤسف أنه لا يمكن التفكير في هبوط إحدى المركبات الفضائية على سطح
القمر أوروبا بعدُ، لكن سوف يكون هناك على الأقل مطياف عالي الوضوح من المدار للبحث
عن جزيئات بيولوجية المنشأ في مادة النتوء.
(٢-٣) إنسيلادوس
وشبه مؤكد أن التسخين المدي (الذي يحفزه رنين مداري نسبته ١:٢ للقمر بعد التالي
التابع لزحل، الذي يُطلق عليه اسم ديون) يحفز على تشكيل الشقوق ويعطي زخمًا للأعمدة
المائية الحرارية. ومع ذلك، لم يتوقع أحد أن القمر إنسيلادوس بهذه الدرجة من
النشاط. وهذا أمر محير على اعتبار أن ميماس، وهو القمر المجاور له والمشابه له في
الحجم، عبارة عن كرة جليدية نمطية بها فوهات، وليس بها دلائل تشير إلى وجود تاريخ
من النشاط. ومن غير المحتمل أن يكون بالقمر إنسيلادوس محيط كبير مخبوء أسفل سطحه،
لكن ربما توجد أخاديد من الماء السائل أسفل منابع الأعمدة. والماء السائل مهم لوجود
حياة، لكنَّ توفُّر المواد المغذية داخل إنسيلادوس يكون بالتأكيد أكثر محدودية
بكثير منه داخل جرم كبير مثل القمر أوروبا؛ ومن ثم فإن إنسيلادوس لا يبدو موطنًا
واعدًا للحياة.
| hindawi |
|
إلا مللًا وسأمًا أخذت يزدادان معي حتى كدت أنفجر، وكنت عندئذٍ قد سمعت حديثًا عالي النبرة وضحكات صادرة عن قلوب خالية من الهموم، فرجحت من جرأة الحديث والضحكات أنها لا بُدَّ صادرة عمن لا يخشون أحدًا، وإذن فلا بُدَّ أن يكونوا «هم» الذين أشير إليهم بضمير الغائب … وجررت قدمي جرًّا في حذر، إلى حيث الغرفة التي انبعث منها الحديث والضحك، فإذا ثلاثة يجلسون على ثلاثة مكاتب، وعليهم جميعًا سمات الوقار والتهذيب، فأملت خيرًا، ونقرت الباب نقرة خفيفة، وحييت وسألت السؤال نفسه الذي سألته قبل ذاك مرتين، فما كان أشد دهشتي أن ردَّ عليَّ في عنف شديد أحد الرجال الثلاثة، قائلًا: مَن تكون أنت؟ فقلت: أنا فلان — قلتها في هدوء شديد، وشاء لي حسن الحظ أن يكون اسمي معروفًا له، وأن يكون قد قرأ لي شيئًا ما، فانقلب غضبه رقة عذبة، وراح يعتذر لي، معاتبًا إياي: كيف لمثلي أن يجلس في البهو منتظرًا، وكان ينبغي له أن يفصح عن شخصيته فور قدومه، وأصر إصرارًا شديدًا على أن أجلس معهم قليلًا، وأن يستضيفني بفنجان من | hindawi |
|
والإنسان ظالم لنفسه، هو الذي اختار أن يحمل الأمانة التي أشفقَت
منها السموات والأرض والجبال وأبَيْن أن يحملنها. حتى إذا استجاب الله
لسؤال الإنسان، وألقى على كتفَيه أمانة الاختيار، تخبَّط في حياته هذا
التخبُّط، وراح يضرب في الأرض ونظره إلى السماء؛ فهو بين رغبات الأرض
وبين إيمانه بالسماء في شدٍّ وجذب وإقبالٍ وإدبار.
ويضيقُ بعضُ الناس فيُعلِن إلحاده وكفره مختارًا اليأس، مُفضِّلًا له
عن رعب الانتظار، موهمًا نفسه أن اليأس إحدى الراحتَين، ولكن هيهات؛
فالمُلحِدون أشد الناس عذابًا؛ لأنهم في البعيد من نفسهم يعلمون أنهم
على باطل، وهم في أعماقهم يتمنَّون أن يحظَوا بالجنة التي وعد الله بها
المتقين من عباده، ولكنهم يدركون أيضًا أنهم أبعد الناس عنها بما كفروا
وألحدوا، ويظلُّون مع أنفسهم في صراعٍ مرير بين ما أعلنوا من إلحاد وما
تشعر به قلوبُهم من أن صاحب هذا القرآن لا يقول إلا الحق. وما تزال
أفئدتهم بين يأس وأمل وبين إقدام وإحجام فِعلَ اللص المبتدئ يمُد يدَه
للسرقة برغبة الغنى، حتى وإن كان عن طريقٍ محرَّم، ويكُفُّ يده بأمل
التوبة والغفران من الرحمن الرحيم، الذي وسع غفرانه ذنوب البشر، وشملَت
رحمته المؤمن والعاصي والعابد والعربيد والقانت والزنديق. ويقول شوقي
الخالد في رثاء إسماعيل أباظة باشا:
| hindawi |
|
كانت الانطباعات الكاملة الأولى التي وصلَتْه من بين تلك الأصوات كلمات أغنية بنغماتٍ
مُصاحِبة خفيضة رنَّانة نوعًا ما، ولُكْنةٍ أجنبية وصوتٍ ما زال غريبًا، لكنَّه مألوفٌ
قليلًا. غير أنَّه لم يكنْ متيقِّنًا من أنَّه لم يكن ينظِم شِعرًا في أثناء نومه.
ثم نهض من فراشِه بصعوبة، ورأى أنَّ زميله الآخر في حراسة المقتنيات النفيسة، جيمسون، لم
يكنْ في فراشه، بل كان ينظر من النافذة الطويلة المُطِلَّة على الشرفة، وينادي شخصًا في
الشارع بصوتٍ حاد.
كان يصيح بحدة قائلًا: «من أنت؟ ماذا تريد؟»
ثم التفتَ إلى بويل منفعلًا، وقال: «ثَمَّ شخصٌ يحوم خلسةً حول المنزل. كنت أعرفُ أنَّ هذا
الوضع ليس آمنًا. سأنزل لأُوصدَ هذا الباب الأمامي بالقضبان، وليكن ما يكون.»
وركض إلى الطابق السفلي مُهتاجًا، ثم سمع بويل قعقعةَ القضبان على الباب الأمامي، فيما
خرج بويل نفسه إلى الشُّرفة، ونظر إلى الطريق الرمادي الطويل المؤدي إلى المنزل، وكان يظنُّ
أنَّه ما زال يحلُم.
| hindawi |
|
ذلك لأن الأدب العربي الذي كان يشبه في أول أمره أدب الزنوج لم يكد يتصل بالحضارات في
القرن الخامس والسادس للمسيح، وتنشأ الصلات بينه وبين الحياة خارج شبه جزيرة العرب، حتى
ظهر أنه كان في نفسه أقوم وأخصب من أن يظل أدبًا يشبه بأدب الزنوج، وأنه كان يحمل في
نفسه طبيعة خصبة إلى أقصى ما يمكن من الخصب، غنية إلى أقصى ما يمكن من الغنى.
فلم يكد يتجاوز البادية حتى استحالت هذه الطبيعة الخصبة، التي كانت منكمشة، إلى جذوة
من النار لم تلبث أن اشتعلت، فشملت العالم القديم وصهرته وحوَّلته إلى طبيعة جديدة،
مخالفة كل المخالفة لما كانت عليه قبل الإسلام.
الأدب العربي في ظل الإسلام
ليس من شأني الآن أن أبحث عن الأسباب التي دعت إلى أن ينتشر الأدب العربي في بقية
البلاد التي انتشر فيها الإسلام، فقد يكون هذا معروفًا، ولكنا نعرف جميعًا أن الإسلام
لم يكد يظهر ويتجاوز الجزيرة أيام أبي بكر وعمر حتى انتقلت معه اللغة وما فيها من أدب،
وانتقل معها كتابها المقدس القرآن الكريم.
| hindawi |
|
كوكس: شيءٌ مدهش!
الرجل الأزرق: إنني شخصيًّا عالِم آثار … وقد قضيتُ عمري أبحث عن هذا التاج، ومعلوماتي
تقول إنه مدفونٌ في مكان بين واحة سيوة ووادي المساخيط … وليس في الوادي نفسه … وقد حضرتُ
مرتَينِ من قبلُ للبحث عنه … ولكني لم أعثر عليه … لأن الخريطة لا تكفي، ولا بد من فكِّ
رموز الكتابة التي عليها … وأنا ما زلت أقوم بأبحاث لفك هذه الرموز.
تختخ: إنك لست من رجال الطوارق!
ابتسم الرجل الأزرق ابتسامةً مخيفةً وقال: ليس مسموحًا لأحد أن يقول هذه الحقيقة … فلا
يعلمها بين رجالي إلا «مولود»؛ لأنه شريكي في البحث عن تاج «الإسكندر»!
تختخ: معنى هذا أن البعثة التي تحدثتَ أنك كنت فيها مجرد أكذوبة!
ضحك الرجل الأزرق وقال: ليست أكذوبةً كاملةً … فقد كنتُ عضوًا في بعثة آثار فعلًا منذ خمس
سنوات … وعندما عثرتُ على الخريطة تخلَّصتُ من البعثة، واستطاع «مولود» أن يقدِّمَني إلى
الطوارق على أنني زعيمهم، فقد كانت عندهم أسطورة عن زعيم غائب سيعود يومًا.
| hindawi |
|
ولكن ليس هذا هو المهم … هناك مفاجأة في انتظارك … هل تعرف
ما هي؟لقد دخلت القصر!أنا أتصورك الآن أنت و«لوزة» و«عاطف» تقولون إنني مجنون،
ولكن صدقوني أن هذه المغامرة تستهويني حقًّا … إنني لا بد أن
أحل لغز هذا القصر وسر سكانه … وسر سرقه مجموعة طوابع البريد
النادرة، وسر اختفاء «الطيب» وسر السيارة التي تأتي
ليلًا.إنها أسرارٌ كثيرةٌ كما ترون … ولكن لها مفتاح واحد … موجود
في هذا القصر … قصر الصبار الغامض!وقد خطرَت لي فكرة دخول القصر أمس ليلًا وأنا أُراقبه في
انتظار ظهور السيارة … لقد تَعوَّدَتْني الكلاب بعض الشيء …
ولم تعُد تنبح عندما أقترب من السور … وهذا يعني أنني أستطيع
دخول القصر عن طريق السور دون أن تحدث ضجَّة تلفت الأنظار …
وهكذا قرَّرت الدخول.في البداية كنت سأُوقِظ «نوسة» وأخبرها، ولكني خشيت أن
تعترض، فكتبت لها ورقة قلت لها فيها إنني سأدخل القصر، فإذا لم
أعُد في الصباح فعليها أن تخطر المفتش «سامي» إذا وجدته أو من
يقوم مقامه … وأن تخطركم … وتركت الورقة بجوار فراشها. | hindawi |
|
وفوق ارتفاع نحو ٦ كيلومترات، تتكون سحب الأرض في أغلبها من جسيمات ثلجية صغيرة،
وتحت هذا الارتفاع، تكون في الغالب عبارة عن قطيرات ماء. والسحب الممطرة ليست
رمادية في حقيقة الأمر؛ إنها تبدو كذلك لأنها تكون سميكة بما يكفي لحجب قدر كبير من
الضوء. ومن النادر نسبيًّا أن تتشكل السحب في كوكب المريخ؛ ففي أغلب طبقة
التروبوسفير من هذا الكوكب، تكون السحب عبارة عن جليد مائي، لكن على مسافة نحو ٨٠
كيلومترًا بالقرب من الحاجز الفاصل بين طبقتَي التروبوسفير والميزوسفير، رُصدت سحب
مكونة من ثاني أكسيد الكربون.
(٨-٣) الأغطية الجليدية القطبية والمحيطات
إضافة إلى تكاثف مكونات الغلاف الجوي من أجل تكوين السحب، يمكن أن تتكاثف هذه
المكونات لتصبح ثلجًا أو سائلًا عند السطح. والمعروف إلى يومنا هذا أن كوكب الأرض
هو الوحيد بين الكواكب الأرضية الذي به محيطات، والتي هي بطبيعة الحال مكوَّنةٌ من
ماء. وبالقرب من القطبين، يتجمد الماء من أجل تشكيل أغطية جليدية قطبية. وربما يكون
كوكب الزهرة الناشئ قد مرَّ بحقبة قصيرة غطَّت فيها المحيطات سطحه، قبل أن يزيد
بخار الماء المتطاير (الذي تَبدَّد بعد ذلك بفعل التفكك الضوئي) من تأثير الدفيئة
المتنامي؛ ما أدى إلى موقف الجفاف الحالي.
| hindawi |
|
انتشار الأسلحة النووية إلى جانب تأسيس نظام تفتيش دولي يبقى إلى اليوم أفضل آمالنا في منع تحويل وقود المفاعلات النووية إلى أسلحةٍ للدمار الشامل. إن الدبلوماسية والدبلوماسيين هما اليوم مفتاحا مواجهة أكبر تحديات القرن الحادي والعشرين، بما فيها الانتشار النووي (كما في حالتَي إيران وكوريا الشمالية كبداية)، والإرهاب الدولي، والاحترار العالمي، وهي التحديات التي لا تقترب من نطاق لعبة التنافس الدولي. هوامش | hindawi |
|
إذا كان عام ٣٢٠٠ قبل الميلاد يُذكر بأنه الزمن الذي عبَرت فيه البشرية لأول مرة أفقَ
التاريخ المكتوب، فسوف يُذكر عام ٢٠٠٠ ميلادية بأنه الوقت الذي عبَرت فيه البشرية لأول
مرة أفقَ التاريخ الرقمي. فكل كتاب أو دورية أو جريدة أو مجلة أو كتيب أو مدونة أو موقع
إلكتروني يُنشر اليوم — وكذلك كل فيلم أو ألبوم تسجيلي أو برنامج تلفزيوني يُبَث أو
يُذاع — قد صار مخلَّدًا في مكانٍ ما على وحدة تخزين على الكمبيوتر في شكل آحاد وأصفار.
ورغم ذلك سيتضاءل هذا الكم الهائل من المعلومات، رغم ضخامته، أمام الكم الأكبر كثيرًا
من الرسائل الإلكترونية والنصوص والتغريدات والصور والفيديوهات التي يضعها ويُرسلها
يوميًّا ملايين الأشخاص في أنحاء العالم، وهي غالبًا ما يُخزنها ويحفظها مزوِّدو خدمة
الإنترنت الذين يُرسلونها.
أما المشكلة الرئيسية التي سيُواجهها مؤرِّخو المستقبل فهي كيفية البحث في الكم
الهائل من المواد التي ستظل باقية؛ فالسجل الثقافي للزمن الحاضر الذي يجري تسجيله
وتخزينه الآن في شكلٍ رقمي سوف يمنح زمننا تميزًا فريدًا في سجلِّ أحداث التاريخ
الإنساني؛ إذ صِرنا وسنظل أول جيل تُحفظ حياته وزمنه بتفصيلٍ شديد ودقةٍ مُتناهية. فسوف
تعيش أهم إنجازتنا وكذلك أتفه أشكال لَهْونا كلها طويلًا في كتل من الآحاد والأصفار بعد
رحيلنا بزمنٍ طويل، وسوف تكون مُتاحة لتوعية وتسلية الأجيال المستقبلية ما دامت الحضارة
الإنسانية نفسها باقية.
| hindawi |
|
نعتبر أنه من المسلَّم به أن كل ثقافة بشرية لها عاداتها وتقاليدها المميزة، التي
تُورَث من جيل للجيل الذي يليه، لكننا نادرًا ما نُدرك أن القدرة على الإتيان بسلوكيات
جديدة — وتناقلها باعتبارها عادات وتقاليد مجموعة بعينها، من خلال المحاكاة — ليس
مقصورًا على البشر. كذلك رُصدت عناصر مُشابهة من ثقافة الحيوانات في الطبيعة بين
الحيتان والأفيال والطيور، بل وحتى القوارض. لا شكَّ أن العادات والتقاليد السائدة بين
الحيوانات التي تعيش في جماعات، والتي هي بمثابة أسس الثقافة البشرية، ظهرت لأول مرة
قبل وجود البشر على الأرض بملايين السنين.
ليس المقصود بهذا أننا البشر لسنا مُتفرِّدين؛ فتفرُّدنا الذهني والبدني عميق ولا
سبيل لإنكاره، لكن العناصر التي تطوَّر منها هذا التفرُّد ظهرت لا شك منذ زمن طويل في
سلوك السعادين والقردة. أوجه الشبه الجسدية بين البشر والرئيسيات الأخرى واضحة، لكن
أوجه الشبه السلوكية ليست دائمًا بهذا الجلاء؛ تضامُن الجماعة ومبدأ الوطن، الروابط
الاجتماعية التي تتوثَّق بفعل الأمومة والجنس والصداقة والتسلسل الهرمي الاجتماعي،
مرونة المجتمع الانقسامي الاندماجي، مزايا الزواج من الأباعد، مبادئ الصيد والحروب
والأدوات والأسلحة والعادات والتقاليد كلها موجودة بين الرئيسيات غير البشرية. هذه هي
لَبِنات البناء الجينية للسلوك البشري، بدونها ما كان المجتمع البشري ليتطوَّر، وما كان
للعالم الذي نعيش فيه وجود.
| hindawi |
|
بمثل هذه النذر المفزعة الصريحة، أخذ الأفغاني ومحمد عبده يتعاونان على إطلاق الصيحة الأولى من خارج البلاد، لتجاوبها في داخل البلاد أصداء تبلغ رسالتها وتزيد من قوتها، فها هو ذا عبد الله النديم (١٨٤٥–١٨٩٦م) الذي أطلقت عليه صفات تدل على الدور العظيم الذي أداه في اليقظة الوطنية، إذ أطلق عليه «خطيب الشرق» — وقد كان أول خطيب مصري يخطب قومه في شئون السياسة — كما أطلق عليه «محامي الوطن»، لقد استخدم النديم في أداء رسالته كل فنون الأدب من زجل وشعر إلى مسرحية وقصة، ثم إلى المقالة والخطابة، وفي نسبة هذه الفنون عنده بعضها إلى بعضٍ يقول أحمد تيمور: «… أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من لسانه، ولسانه الغاية القصوى في عصرنا هذا»، على أن ما يهمنا هنا من آثار النديم أدبه المكتوب، ومقالاته الصحفية اللاذعة، خصوصًا ما ورد منها في مجلة الأستاذ، التي صدرت في عهد الاحتلال الإنجليزي، والتي لم يلبث الإنجليز أن طالبوا بإغلاقها، لشدة ما جاء فيها من هجمات النديم على خصوم الوطنية | hindawi |
|
من الأهمية بمكانٍ الإشارةُ إلى أنه رغم أن القدرة على تعلُّم الرموز وابتكارها تكمن
في الحمض النووي للإنسان الحديث تشريحيًّا، فإن شكل الرموز التي ابتكرها الإنسان الحديث
ومعناها مسألةٌ ثقافية تمامًا، وليس لها أساس في علم الأحياء؛ فكل المعاني التي
تتضمَّنها الرسائل الرمزية، سواءً كانت بصرية أو سمعية، لا بد أن تُعلَّم في الطفولة،
وتُتذكر في مرحلة البلوغ، وتتوارثها الأجيال بصفتها المعرفة الثقافية التي تتقاسمها
الفئة الاجتماعية. لو كان من الممكن سماع ضحك بشر ما قبل التاريخ لَعرفنا أنهم سعداء،
ولو كان مُمكنًا سماعهم وهم يبكون لَعرفنا أنهم حزناء، لكن لو تسنَّى لنا سماعهم
يتحدثون لما فهمنا ما الذي يقولونه، تمامًا كما ننظر إلى النقوش الحجرية التي نحتوها
ورسموها على جدران كهوفهم، ولا نُدرك مطلقًا ماذا كان يُقصد بهذه النقوش المرسومة
بعناية.
قرب نهاية هذا الفصل، سنستكشف العملية التي انقسمت بها البشرية كلها إلى عدة مجموعات
إثنية مختلفة اختلافًا واضحًا؛ تلك العملية التي بدأت حين تبنَّى الإنسان الحديث
تشريحيًّا التواصل الرمزي ليصبح جزءًا لا يتجزأ من حياته اليومية، لكن بيت القصيد هنا
هو أنه لما كانت هذه الأساليب المعيشية التي تُمليها الثقافة تُبتكَر ولا تُورث، فقد
كان من المُمكن إعادة ابتكارها وتعديلها وتغييرها مع تبدُّل مناخ عصور ما قبل التاريخ
وبيئتها — سريعًا جدًّا أحيانًا — مع قدوم العصور الجليدية وانتهائها، وتغير مناخ الأرض
مرارًا وتكرارًا.
| hindawi |
|
قال «أحمد» للصبي: هل تعرف الشخص الذي استدعاه؟
الصبي: لا … فقد تحدَّث معه عند الباب، ثم
عاد إلينا، وخرج بعد ذلك ولم يعد.
أشار «أحمد» ﻟ «دعيج»، فقال «دعيج»: سأبقى هنا حتى أعرف مصير «رعد» وعودا أنتما، وسوف
يعرف الحماران طريقهما، واتركاهما عند عشَّة أبي.
أحمد: إذا عرفت شيئًا عن اختفاء «رعد»، فتعال لمقابلتنا في الخليج، قاربنا «صقر البحر»
يرسو هناك!
استدار «أحمد» و«عثمان» ليعودا فقال «عثمان» لماذا لا نَنتظر حتى نرى مصير «رعد»؟! من
المهم جدًّا أن نعرف وصفه ﻟ «الهيولة» التي يتحدَّثون عنها.
أحمد: ألم تفهم بعد؟ إنَّ «الهيولة» التي رآها «رعد» ليست سوى غواصة.
عثمان: غواصة؟!
أحمد: طبعًا … ألم يَقُل الشيخ «غزاوي»: إنَّ «رعد» وصفها بأنها تشبه السفينة؟ إن السفينة
التي تخرج من أعماق المياه يا «عثمان» ليست سوى غواصة!
| hindawi |
|
فَقالَتِ الفَتاةُ: «لَنْ يَتِمَّ هذا إلَّا لِأَمِيرٍ فاضِلٍ كَرِيمٍ لا يُخامِرُ
نَفْسَهُ الطَّمَعُ، وَلا تَفْتِنُهُ المُغْرِياتُ، فَمَنْ تَكُونُ؟»
فَرَوَيْتُ لَها ما لَقِيتُ في رِحْلَتِي مِنْ غَرائِبِ الأحْداثِ، وَكاشَفْتُها بِما
شَعَرْتُ بِهِ مِنْ حُزْنٍ عَمِيقٍ لِفقْدانِ صَدِيقِي «كاشِفٍ» بَعْدَ أنْ نَجا كِلانا
ممَّا تَعَرَّضَ لَهُ مِنْ مُهْلِكاتٍ.
(٥) حَدِيثُ البَبَّغاءِ
وَهُنا سَمِعْتُ صَوْتًا يَهْتِفُ قائِلًا: «لا تَأْسَفْ عَلَى صاحِبِكَ وَلا
تَحْزَنْ، فَقَدْ أَهْلَكَهُ الطَّمَعُ. وَلَوْ خَلَصَتْ نَفْسُهُ مِنَ الجَشَعِ، كَما
خَلَصَتْ مِنَ الخَوْفِ؛ لَكانَ جَدِيرًا مِثْلَكَ بِدُخُولِ هذا القَصْرِ
السَّعيدِ.»
وَنَظَرْتُ فَرأَيْتُ بَبَّغاءَ فَصِيحَةَ اللِّسانِ تَنْطِقُ بِهذا الكَلام،
فَسَأَلْتُها مُتَعَجِّبًا: «خَبِّرِينِي — بِاللهِ — كَيْفَ أَهْلَكَ الطَّمَعُ
صَديقِي «كاشِفًا»؟»
| hindawi |
|
وأشهر قصائده وأبقاها على الزمان وأجدرها بالخلود هي التائية ذات المطلع
المُفجِّع:وقد كان لهذه القصيدة صدًى في أكثر العصور الأدبية عند العرب، ويكفي أن نعرف أن
ياقوتًا حين ترجم لابن لنكك البصري ذكر من أخباره أنه كان يروي قصيدة دعبل التي
مطلعها:كأن رواية تلك القصيدة من مناقب الرجال.وكان المأمون لإعجابه ببراعة دعبل في تلك التائية يتمنى أن يسمعها من الشاعر
نفسه، فتلطف لإحضار دعبل، فلما دخل وسلم عليه تبسم في وجهه، ثم قال أنشدني:فجزع دعبل، فقال له المأمون: لك الأمان فلا تخف! وقد رويتها ولكني أحب سماعها من
فيك، فأنشده إياها إلى آخرها، والمأمون يبكي حتى أخضل لحيته بدمعه.وكان أهل البيت يطربون لتلك القصيدة ويرون فيها العزاء عما أصابهم من الفواجع،
وقد حدَّث دعبل قال: دخلت على علي بن موسى الرضا عليهما السلام فقال لي: أنشدني
شيئًا مما أحدثت، فأنشدته: | hindawi |
|
ولم يبقَ لنا من عبد الحميد إلا كتاب كتبه عن مروان بن محمد إلى ابنه ولي العهد،
عندما وجهه لقتال الخوارج، وكتاب صدر عن مروان بن محمد إلى عمَّاله بالأمصار، يأمرهم
بمحاربة لعب الشطرنج؛ لأنه كان قد انتشر فخاف منه على الدين، وكتاب آخر كتبه عبد الحميد
إلى الكتاب يوصيهم بطائفة من الوصايا، يوصيهم بأخلاق الكتاب وما يجب عليهم، وكان هذا
الكتاب قد صدر من عبد الحميد كمنشور لرجال الديوان.
من رسالة لعبد الحميد إلى ولي العهدصلة عبد الحميد باليونان
استعمال الحال على هذا النحو من خصائص اللغة اليونانية، ومن الأسباب التي يعتمد عليها
اليونان في تحديد معانيهم، وكنت أود لو استطعت أن أعرض عليكم نماذج من النثر اليوناني،
ولكن الأمر أيسر من هذا، فيكفي أن تقرءوا كتابًا فرنسيًّا متأثرًا باليونانية، حتى كانت
كتابته أشبه بترجمة يونانية، وهو أناتول فرانس، ذلك مع أنه أكبر الكتاب الفرنسيين،
وأناتول فرانس يستعمل الحال استعمالًا كثيرًا جدًّا ليدقق في معانيه ويوضحها، ويعطيها
الصفات التي يحتاج إليها ولتجميل كلامه أيضًا، وكل ما بين أناتول فرانس واليونان، أن
أناتول فرانس لم يتأثر باليونانية وحدها، بل باللاتينية أيضًا، فهو يستعمل الحال مثلهم،
غير أنه كان يقدمها أحيانًا ويؤخرها أحيانًا على نحو ما كان اللاتينيون يفعلون.
| hindawi |
|
ولقد تواضعتُ وذهبتُ إلى بعض هؤلاء الذين يُطلِقون عليهم كبار
الملحنين، وما كنتُ في حاجة إليهم لأنني ألحِّن أنا لنفسي أغنياتي،
وأنا أيضًا الذي أكتب كلماتي، ولكن لا بد لي أن أتواضع حتى أقيم
صلة بيني وبين هؤلاء الذين أخذوا مكان الصدارة في الأغنية العربية
في حين غفلة من الزمان. ذهبتُ إلى الملحن الكبير سعيد زياد: أريدك
أن تضع لي لحنًا يا أستاذ.
– هكذا مرةً واحدة.
– ومستعدٌّ أن أُعطيَكَ أجرك مضاعفًا.
فقد فاتني أن أقول لك إنني موفور المال، والغناء بالنسبة لي ليس
مصدر رزق وإنما هو إعلان لفضل الله عليَّ. وأنا أيضًا لا تهمُّني
الشهرة. كل ما في الأمر أنني واثق من جمال صوتي وأريد أن أُمتعَ
الناس ولا أرجو منهم جزاءً ولا شكورًا.
ولكن الغريب أن الملحِّن المرتزق قال في كبرياء وتعالٍ: أنا يا
ابني لا أُلحِّن لأي أحد.
| hindawi |
|
مسرحه الذهني أو تلك، ولكننا لم نرَ أحدًا يردد اسم شخصية خلقها توفيق الحكيم مثلما خلق شكسبير مثلًا شخصيات هملت وعطيل وشيلوك والملك لير وغيرها، كما خلق موليير هارباجون وألسست ودون جوان.
والمسرح الذهني فن لم يبتكره توفيق الحكيم، بل هو اتجاه عام ظهر في القرن الماضي في
الآداب العالمية فيما يسمَّى ﺑ «الدراما الحديثة» التي ابتدأها إبسن النرويجي.
ثم أمعن في هذا الاتجاه برنارد شو الأيرلندي. ويُعتبر مسرح سارتر هو الآخر من النوع الذهني، ولكن هؤلاء العمالقة يجمعون في مسرحهم بين الرمزية والواقعية، ويجعلون الشخصيات الحية طرفًا في الصراع حتى ولو كان هذا الصراع ذهنيًّا خالصًا، وهم بذلك يظلون داخل المفهوم الدرامي التقليدي للمسرح منذ أن وضع الإغريق القدماء أصوله الفنية، بل من الممكن أن نزعم أن المسرح الذهني بالمعنى الذي يفهمه توفيق الحكيم قد عرفه اليونان أنفسهم في الصراع بين الإنسان والقدر مثلًا على نحو ما نشاهد في مسرحية «أوديب ملكًا» لسوفوكليس، أو بمعنى أدق الصراع بين الإنسان والحقيقة في تلك المسرحية العاتية، وذلك بينما ينقل الحكيم نفس هذا الصراع إلى مجال ما يسمِّيه «المطلق من الأفكار»، فحدَّثنا في مقدمة مسرحية «أوديب الملك» عن أنه قصد فيها إلى أن يجري الصراع بين ما يسميه «الواقع والحقيقة»، أي بين المعاني المجردة، وما دام الإنسان لم يَعُد طرفًا في الصراع فإن المسرحية تفقد حرارتها وتأثيرها — | hindawi |
|
الشعر
لغيري أنْ يمدح شوقي بلا حساب، أما أنا فلا أريد أنْ أمدح، ولا أريد أنْ أذم، وإنما أريد
أنْ أنقد، وأنْ أوثر القصد في هذا النقد، وأظن أنَّ شوقي يؤثر النقد المنصف على الحمد
المسرف. وأظن أني أجلُّ شوقي وأكبره بالنقد أكثر من إجلالي إياه بالتقريظ والثناء، فقد شبع
شوقي ثناءً وتقريظًا، وأحسبه لم يشبع نقدًا بعد، وليس شوقي — فيما أعلم منه — شرهًا إلى حسن
الحديث وطيب القالة، وهو لم ينشئ شعره لذلك، وإنما هو شاعر يحب الشعر للشعر، وينشئ الشعر؛
لأنه يجد في نفسه عواطف يحب أنْ يضعها، وإحساسًا يحب أنْ يذيعه. هو شاعر؛ لأنه يشعر وليس هو
بالشاعر لأنه يريد أنْ يتكلم لا أكثر ولا أقل.
أنا إذن واثق بأني لن أُغضب شوقي إذا نقدته، وربما أغضبته إذا غلوت في الثناء عليه، على
أني لست في حاجة إلى هذه المقدمة الطويلة، فقد لا يسهل علي ولا ييسر لي نقد هذه القصيدة
الجميلة التي نشرتها علينا «الأهرام» صباح اليوم.
| hindawi |
|
الغني يُكثر الأخِلاء، والفقير يفارقه خليله، وجميع إخوة المُعْوِز
يبغضونه.في كل تعبٍ منفعةٌ، وكلام الشفتين إنما هو إلى الفقر.اذهب إلى النملة أيها الكسلان، تأمل طرقها وكُنْ حكيمًا.العامل بيدٍ رخوةٍ يفتقر، أما يد المجتهدين فتُغني.مَن يجمع في الصيف فهو ابنٌ عاقل، ومَن يَنَمْ في الحصاد فهو ابنٌ مُخْزٍ.توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت.قليلٌ مع عدل خيرٌ من كثيرٍ مع جورٍ.قلت في قلبي: إن الذي يحدث أهل يحدث لي أنا أيضًا إذن، فلِمَ حكمتي هذه الوافرة؟
فقلت في قلبي: هذا أيضًا باطلٌ.
وقد خُلِط سِفْر الجامعة بالملك سليمان عن غلط يتعذر إدراكه، فلا شيء يبتعد عن ذلك
السِّفْر العسير العميق أكثر مما نعرفه من حياة هذا الملك وأخلاقه، وإذا كان واضع ذلك
السِّفْر قد أجرى أقواله على لسان ذلك الملك القوي، فَلافتراض جارٍ في الآداب، ولرغبة ذلك
المؤلف في مضاعفة الوزن والرجل لكي يدعي بأنه أزال وهمه عن كل شيء في هذا العالم يجب عليه
أن يعرف كل شيء، كالغنى والسلطان وجلال العرش وأبهة القصور ومَلَق الرجال.
| hindawi |
|
عند الهرم الأول وقَعت المغامرة، ولكن ليس كما توقَّع المغامرون الثلاثة … كان «عاطف» ينظر
إلى ساعته وعقربُ الدقائق يقترب ويقترب من الساعة الثانية عشرة … ثم تَعانَق العقربان في منتصف
الليل بالضبط، وكان نظره يجوس في الظلام في انتظار الإشارة الضوئية … ولكن الثواني … ثم
الدقائق تمضي بدون أن يتحقق شيء، لا إشارات ولا أضواء … وتمرُّ دقائق أخرى بدون أن يحدُث ما
توقَّعوا … وبقيت دقائق ليتحرَّك كلٌّ منهم من مكانه.
وأحسَّ «عاطف» فجأةً بأقدامٍ سريعةٍ حوله … لم يكُن في إمكانه أن يسمعها قبل أن تقترب بسبب
الرِّمال … وقبل أن يُفِيق من دهشته كان رجلان قد انقضَّا عليه، وشلَّا حركته، وأغلقا فمه … ثم
ظهر رجلٌ ثالث من خلف صخرة قريبة، واقترب بهدوء منهم.
كان الصمت مخيِّمًا على المكان، والرجال الثلاثة في ملابسهم السوداء كالأشباح … وكان لوَقعِ
المفاجأة أثرُها على «عاطف» … فلم يُبدِ أية مقاومة … وقال أحد الرجلَين: لا تُحاول الصِّياح؛ فلن
يسمعك أحد، وسنضطرُّ إلى القضاء عليك … إن المطلوب منك أن تُجيب عن بضعة أسئلة بصراحة
…
| hindawi |
|
مع نهاية القرن التاسع عشر تطوَّرت الصناعات البترولية، التي بدأت بدايةً متواضِعة
للغاية في خمسينيات القرن التاسع عشر في أوروبا بصناعة شمع البارافين من النفط الخام
لتُصبح قوةً صناعيةً رئيسية، وبحلول عام ١٨٨٠م كان يُضَخ أكثر من عشرين مليون برميل نفط
خام سنويًّا من آبار النفط في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. الجمع بين البنزين
المستقطَر من البترول ومحركات الاحتراق الداخلي ذات الآليات الدقيقة أتاح ابتكار محرك
البنزين الحديث: وهو مصدر طاقة خفيف الوزن، وصغير الحجم، وقوي، ويُمكن الاعتماد عليه،
وموفِّر. وقد كان محرك البنزين الحديث هو ما أتاح، أكثر من أي آلة أخرى، لمُخترعي أوائل
القرن العشرين ابتكار كل من السيارة والطائرة؛ اثنتين من تقنيات النقل لمسافاتٍ بعيدة
قلَّصت المسافات الفاصلة بين مجتمعات البشر لنسبةٍ ضئيلة من حجمها السابق.
من الرماح النارية إلى الأسلحة النارية | hindawi |
|
شعرها(أ) ورود المجاملة الصافية
كل ما نظمته ينقسم إلى قسمين: المدح والرثاء.
ففي باب المدح يدخل شعر التقريظ والترحيب والتراسل مع أدباء العصر وأديباتهِ. فهي
تستهلُّ حديقتها بأبيات ردَّت بها على الشاعرة وردة ابنة نقولا الترك الشاعر. والشطر
الأول من المطلع سار في الآداب السورية مسير الأمثال وصار نعتًا للسيدة وردة. وهو:
وقالت تجيب شاعرة أخرى، وردة كبَّا (ويظهر أن الشعر في ذلك العصر كان محظوظًا
«بالوردات»):
ولئلَّا تؤاخذ بامتداح نفسها عن طريق غيرها فقد استدركت في الختام بقولها:
هذا أسلوب من التواضع في الشعر العربي، ونجده كما نجد معاني المدح ذاتها مكرَّرة
تقريبًا في كلِّ قصيدةٍ وجهتها إلى مراسليها ومراسلي والدها من مصريين وعراقيين
وسوريين. فقد ردَّت على عالِمٍ من أصدقاء والدها بقولها:
وتهدي إلى أمين بك سيد أحمد في الإسكندرية نسخة من ديوانها فتقول:
| hindawi |
|
وقبل أن أشد الرحال إلى «بجماليون» كنت مشفقًا على مُخرجنا وممثلينا من صعوبة أداء مثل هذه المسرحية، وبخاصة بعدما قرأت عن عدم تمكين نبيل الألفي من جميع الوسائل اللازمة لإخراجها، وبخاصة أجهزة الإضاءة التي يستطيع أن يستخدمها في التمييز بين مستويات هذه المسرحية التي تتراوح بين مستوى الآلهة الرفيع ومستوى الحياة العادية للبشر، ولكني مع ذلك طابت نفسي لِما شاهدته إذ رأيت مُخرجنا الماهر يتغلب على كل هذا الصعوبات — التي لا يزال يصطدم بها لسوء الحظ كل عمل جاد مخلص — ويقدِّم لنا عرضًا فنيًّا رائعًا، وإن كنت لا أزال في لهفة لمعرفة ما إذا كانت هذه المسرحية يمكن أن تزداد جمالًا وتأثيرًا إذا توافر لها مزيد من الإمكانيات المسرحية، التي تستطيع أن تُبرز الجانب الإلهي الأسطوري إلى جوار الجانب الإنساني الخالص القائم على حقائق النفس البشرية وما يمكن أن يتصارع في داخلها من نزعات، يجذبنا بعضها نحو السماء ويشدنا بعضها الآخر نحو الأرض أي نحو الحياة، فالإمكانيات المحدودة | hindawi |
|
– لا بد أولًا أن أسمعك.
– تسمعني إن شاء الله.
– وأريد أن أعرف ما هي ثقافتك الموسيقية.
– ثقافتي، لماذا؟
– ألم تسمعني؟!
– المدهش أنني سمعتُكَ.
– وما وجه الإدهاش فيما سمعتَ؟
– الكلمة غريبة على أذني.
– كيف؟
– الذي أعرفه أن الصوت موهبة.
– هذا حق، ولكن الموهبة لا بد أن تُثقَّف.
– وكيف تُثقَّف الموهبة؟
– بالدراسة.
– هل يُدرس الغناء؟
– كما ندرُس الموسيقى.
– ولكنني أنا أغني وألحِّن وأؤلِّف الأغاني بغير دراسة.
– هكذا بعلمٍ لدنِّي؟!
– بعلم لدني أو لدنك لا أدري، وإنما أنا أغني وكفى.
– غنِّ.
وما كدتُ أكمل الكوبليه الأول حتى وجدتُ الملحِّن يثور بي ثورةً
شيطانية.
| hindawi |
|
ولكن بجانب هذه المعاني اللطاف والعجائب التي لا تنتهي، نرى الطبيعة كذلك تقسو ولا ترحم، لا تعبأ بالألم يصيب الأحياء، كأنها آلة عمياء، سلحت القوي ومكنته من الضعيف والضعيف من الأضعف، «هذا الأسد يصيد الذئب فيأكله، والذئب يصيد الثعلب فيأكله، والثعلب يصيد القنفذ فيأكله، والقنفذ يصيد الأفعى فيأكلها، والأفعى تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، والجراد يصيد فراخ الزنابير فيأكلها، والزنابير تصيد النحل فتأكلها، والنحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها»، والإنسان سُلط على الجميع، وسُلط بعضه على بعض، إنها لا تندم على إيلام، ولا تحزن لموت، ولا تعبأ أن تكون كلها ساحة قتال، تسلح الغالب والمغلوب، والقوي والضعيف؛ ثم تقف متفرجة على القتال والالتهام، والتنكيل والآلام؛ كأن الأمر لا يعنيها في قليل ولا كثير، وضعت الشهوة في كل حي، وأخضعت لها القوة والمكر والحيلة، وأطلقت لكل أولئك العنان في المنافسة والمحاربة، واتخذت ذلك قانونها وديدنها في كل | hindawi |
|
وأخيرًا، فلا بُدَّ لنا أن نُشير إلى سِمَةٍ أخرى هامَّة من سِمات هذا العصر، ترتَّبَتْ على التَّحوُّل الأساسي الذي طرأ على حياته الاقتصادية، هي نُموُّ النَّزعة الفردية في مجالات الأخلاق والأدَبِ والفن. وليس من الصَّعْب أن نَجِد تعليلًا لهذه الظاهرة في ضوء ظروف العصر؛ ذلك لأن الشخص الناجِح في العصر الجديد لم يكن يُدِين بنَجاحِه لأسرَتِه أو لَقَبِه الوِراثي، ولم يعُد الانتماء إلى جماعةٍ مُعيَّنة هو أساس التفوُّق، بل إنَّ كلَّ شيءٍ أصبح يتوقَّف على الجهود الخاصَّة التي يبذُلها كلُّ فرد. وكان ذلك العصر حافلًا بأمثِلَة الأشخاص العِصامِيِّين الذين تَمكَّنوا بجهودهم الخاصة من أن يَصِلوا إلى مكان الصَّدارة في المجتمع، وخاصَّةً في المجال الاقتصادي. ومن شأن هذا الاتجاه أن يَزيد من شُعور الفرد بقُدراته الخاصة، ويجعَلَه أقدَرَ على تحدِّي السلطة، بكافَّة أنواعها، بحيث لا يعود مُعتمِدًا على عامل | hindawi |
|
المدرب: لقد رأيته يتسكع بضع مرات حول القصر.
الرجل: إنه الولد الذي رأينا آثاره بين الصبار … ويبدو أنه يعرف
أشياء كثيرة ولا يريد أن يتحدث.
المدرب: يمكن أن نجبره على الكلام!
الرجل: لا داعي مؤقتًا لاستعمال العنف … انزل به إلى السرداب رقم ٣،
ولا تعطه طعامًا ولا شرابًا لمدة يومين … وسوف يفكر في الحديث بعد
ذلك.
مد المدرب يده في عنف وجذب «محب» وقاده في دهاليز كثيرة ثم أخرج
مجموعة من المفاتيح من جيبه، ووقف أمام أحد الأبواب المنخفضة عن مستوى
الدهليز وفتحه، وجذب «محب» ثم أدخله وأغلق عليه الباب.
كان السرداب طويلًا ومضاء بنور ضعيف … ووقف «محب» يتأمل السرداب …
كان سقفه منخفضًا … والجدران قديمة ترشح بالماء … والأرض من الحجر
الكبير وقد نبتت بها أعشاب دقيقة … والجو ثقيل في هذه الحرارة الشديدة
… وأخذ «محب» يفكر في هذا السجن العجيب الذي أوصله إليه تهوره … وأخذ
يتصور موقف أسرته … والأصدقاء في المصيف من اختفائه … وقدر أنهم لن
يبدءوا البحث عنه جديًّا إلا في مساء اليوم التالي … فسوف يتصورون أنه
قضى الليل في المنزل ثم خرج صباحًا في رحلة ما … فإذا لم يعد حتى
المساء فسوف يبدءون جديًّا في البحث عنه … ولكن أين؟ إنهم بالطبع لن
يفكروا في «قصر الصبار» إلا إذا أخبرتهم «نوسة» … وحتى لو فكروا
وأبلغوا الشرطة فلن يستطيع أحد الوصول إليه في هذا السرداب مطلقًا …
وبالطبع سوف ينكر «سيف» أنه هنا.
| hindawi |
|
فَغَضِبَ المَلِكُ مِمَّا سَمِعَ، وَتَعَجَّبَ مِنْ جُرْأَةِ النَّاسِكِ،
وَتَوَعَّدَهُ بِالعِقابِ إذا لَمْ يَكُفَّ عَنْ هَذَيانِه، وَيُقْلِعْ عَنْ عِنادِهِ،
فَلَمْ يَسْتَجِبِ النَّاسِكُ لِوَعِيدِهِ، وَلَمْ يُبالِ بِتَهْديدِهِ.
فاشْتَدَّ غَضَبُ «مَرْمُوشٍ» عَلَيْهِ، وَأمَرَ بِسِجْنِهِ، وَإِعْدادِ العُدَّةِ
لإحْراقِهِ حَيًّا. وَهَيَّأَ لَهُ نارًا جاحِمَةً وَسْطَ المَيْدَانِ الكَبيرِ،
لِيَشْهَدَ النَّاسُ جَزاءَهُ عَلى ما أَبْداهُ مِنْ صِدْقِهِ وَإِخْلاصِهِ في
دَعْوَتِه. وذاعَتْ قِصَّةُ النَّاسِكِ في أَنْحاءِ المَدِينَةِ، فاجْتَمعَ النَّاسُ
لِيَرَوْا مَصْرَعَهُ، فَلَمَّا سُعِّرَتِ النَّارُ وتَهيَّأَ الجُنْدُ، وَاسْتَعَدُّوا
لِإلْقاءِ النَّاسِكِ في أَتُّونِها المُلْتَهِبِ، غامَتِ السَّماءُ فَجْأةً، وَبَرَقَ
البَرْقُ، وَجَلْجَلَ الرَّعْدُ، ثُمَّ هَمَتِ الأَمْطارُ سيولًا، فَأَطْفأتِ النَّارَ،
وَسادَ الهَرْجُ وَالمَرْجُ، وَتَدافَعَ النَّاسُ إلى بُيُوتِهِمْ حتَّى لا
تُغْرِقَهُمُ السُّيُولُ المُتَدَفِّقةُ. وَهكَذا أُتِيحَتِ الفُرْصَةُ لِلنَّاسِكِ
الصَّالحِ فأَمْكَنَتْهُ مِنَ الفِرَارِ.
| hindawi |
|
على أن صورة الحياة الثقافية في مصر المعاصرة لا تكمل إلا بذكر جهود متفرقة كثيرة، تكون الروافد التي تمد التيار الرئيسي الكبير، كل بحسب منبعه ومورده: فهنالك من ينقل إلينا ثقافة الغرب — إما بالترجمة وإما بالأصالة الشخصية — نقلًا يتسم بالتأييد المتحمس لها، وعلى رأس هؤلاء الدكتور حسين فوزي، وأشهر كتبه «سندباد عصري» الذي يجمع في دراسته بين العلم والأدب، وهنالك من يفكر في مشكلات ثقافية يختارها لنفسه، تفكيرًا مستقلًّا أصيلًا، لا يبالي أجاء مصطبغًا بتأييد العربي القديم أو الغربي الجديد، مثل «الدكتور محمد كامل حسين» — ومن خير ما كتب قصة «قرية ظالمة» الذي يجمع هو الآخر بين الدراسة العلمية والأدبية، هنالك المؤرخ الذي أخذ نفسه بالتأريخ لبلادنا في عصورها الحديثة تاريخًا مفصلًا، تسري فيه الروح الوطنية التي تبرز صورة قومه مبرأة من الشوائب التي أدخلها عليها مؤرخون آخرون لم يكتبوا بروح الإنصاف، مثل «عبد الرحمن الرافعي»، وهنالك عشرات الباحثين توفروا على نشر النصوص القديمة وتحقيقها، | hindawi |
|
•••
وكما جعلت الدنيا ملء العين جعلتها ملء السمع، فرأت الأطيار ما وشَّيْتَه في أرضك، فحرك
أشجانها، وأطلق أصواتها، وجعلت منها موسيقى مختلفة النغمات، متعددة الأصوات، هذا البلبل
يُغني ضاحكًا، وهذا الحمام يُغني باكيًا.
كانت عجماء فأفصحت في أيامك، وكانت خرساء فأنطقها جمالك، وكانت بكماء فراعها منظرك؛ فوقفت
على السرو والدَّوح من خطبائك، فلما غنت حركت أشجان الإنسان، وأوحت إليه بالمعاني الحسان؛
فأفاض الشعراء في وصفها، وبكوا لبكائها، وتغنوا من غنائها.
•••
ثم هذا أنت ملأت الجو عطرًا بأزهارك الطيبة، وثمارك العطرة، فأنعشت النفوس، وبعثت الأمل،
فلما خاف الناس من غيبتك، وانقطاع شذاك، أمعنوا الفكر في الاحتفاظ برائحتك، فاستخرجوا
الروائح من أزهارك، وتحايلوا للانتفاع بها في غيابك، فاخترعوا الغوالي والندود، وعُنوا
بالاستقطار والتصعيد، يتعطرون بها ذكرى لعطرك، ويتفننون فيها تقليدًا لعبيرك.
| hindawi |
|
قبل حدوث تحول الزراعة، حين وجد مجموعة من الصيادين وجامعي الثمار الرحَّالة أنفسهم
في ظروف معيشية مُواتية، وبدأ عددهم يزيد بحيث لم يعُد مجرد بضع عشرات، كان الأخذ
بأنماط التقاسم والتعاون العادية سيصير غير عملي أكثر فأكثر، وكان الناس سينزعون
للانقسام إلى فصائل، وكان النزاع بين الفصائل المختلفة سيصبح أكثر تشعبًا وتكرارًا. في
نهاية المطاف، مالت هذه الجماعات البدوية العظيمة الحجم للانقسام إلى مجموعتين أو أكثر،
وذهبت كلٌّ منها في سبيلها. وهذا مثال على عملية «الانقسام» التي تقع من وقت لآخر في
المجتمع الانقسامي الاندماجي المعهود لدى البشر وغيرهم من الرئيسيات. كان نمط الحياة
البدوي يجعل الانتقال إلى أراضٍ جديدة أمرًا سهلًا وطبيعيًّا بالنسبة إلى الجماعات،
وكانت عملية الانقسام تجعل حجم جماعات الصيد وجمع الثمار صغيرًا نسبيًّا؛ مما سهَّل
الحفاظ على التضامن ويسَّر التعاون بين أفراد الجماعة.
| hindawi |
|
هل هو لغز؟من «محب» إلى «تختخ»أكتب لك دون أن أنتظر ردك على خطابي السابق. فقد أسرعت
الحوادث هنا بحيث لا أستطيع الانتظار.هل تتصوَّر أن «الطيب» اختفى؟! أقصد الجنايني العجوز. اختفى
ولم يترك أثرًا … كأنه «فص ملح وذاب» … أو كأنه دخانٌ تلاشى في
الهواء … أين ذهب؟ لماذا اختفى؟ متى غاب؟ أسئلة لا أملك
الإجابة عنها … المهم أنه اختفى وكأنه لم يكن.لعلك تقول الآن … دَعْك من هذا التطويل أو هذه الفلسفة وادخل
في الموضوع … طبعًا لأنك متلهفٌ أنت و«لوزة» لمعرفة ماذا حدث
في أمر اختفاء «الطيب»!وكما قلت لك … اختفى «الطيب» في صباح اليوم التالي لمقابلتي
له … ورأيت الشاويش «فرقع» يدخل «قصر الصبار» لأول مرة في
حياته كما أتصوَّر … وحاولت الحديث معه، ولكنه رفض تمامًا وكان
لا بد لي من أن أربط بين اختفاء «الطيب» وظهور الشاويش … خاصة
وقد مر النهار كله دون أن يظهر «الطيب» … ورويت ما حدث ﻟ
«نوسة» التي كانت مشغولةً مع والدتي بترتيب الأثاث وتعليق
الستائر … رويت لها ما حدث فاتفق رأيها معي في أن اختفاء
«الطيب» وظهور الشاويش مرتبطان ببعضهما بعضًا أشد الارتباط …
ولكن ماذا حدث بالضبط؟ لا بد أن نعرف! وكيف نعرف؟
| hindawi |
|
زادت درجة حرارته؛ لذا بالرغم من أن تأثير الدفيئة الطبيعي في غلافنا الجوي شيء جيد، فيمكن أن تؤدي الزيادات السريعة في حجم التأثير، الناتجة عن النشاط البشري، إلى نتائج كارثية على الحضارة الإنسانية.
وعلى خلفية تناقصٍ تدريجيٍّ عامٍّ في تأثير الدفيئة الطبيعي، الذي يقابل الزيادة
البطيئة في سطوع الشمس، حدث العديد من التغيرات الملحوظة في مناخ كوكب الأرض. وتُعد
العصور الجليدية التي تَجمَّد فيها جزء كبير من المياه السطحية (في ظروف متطرفة)
أوضح وأبرز مثال على ذلك. وهذه التغيرات لا تخضع لتأثير الغلاف الجوي بقدرِ ما تخضع
للتغيرات الحادثة في ميل محور الأرض ولاتراكزية المدار. وربما تفسِّر تأثيراتٌ
مماثلةٌ التغيراتِ الشديدةَ الحادثةَ في درجة رطوبة سطح كوكب المريخ على مر
الزمن.
(٨-٢) السُّحُب
السحب عاكسة بدرجة كبيرة؛ لذا كلما زادت درجة تلبُّد الغلاف الجوي بالسحب زادت
كمية الطاقة الشمسية التي تنعكس مباشرة نحو الفضاء، لكن تزيد السماء الملبدة بالسحب
قدرة الغلاف الجوي على احتجاز الحرارة من أشعة الشمس التي تصل إلى سطح الكوكب
«فعليًّا»؛ ومن ثم فإن تأثير السحب على درجة حرارة الكوكب تأثير معقد؛ فالسحب
المتصلة في كوكب الزهرة لم تنجح في حماية سطح الكوكب من الاكتواء بنار تأثير
الدفيئة.
| hindawi |
|
«من يعتني بالأضواء القوسية؟»
«رجلٌ ما من الشركة.»
«أليس لديكم كهربائي في المبنى؟»
«نعم.»
«أعتقد أن بمقدوركم توفير بعض المال لو كان لديكم كهربائي خاص بكم.»
رد الحارس: «ليس هذا من شأنك.»
لاحظ الحارس وجود آلة التفكير عند نافذة الزنزانة على نحوٍ متكرِّر خلال ذلك اليوم، لكن
دائمًا ما كان وجهه يبدو كسولًا وكان ثمةَ توقٌ معيَّن في العينَين الضيقتَين القابعتَين
خلف النظارة، وبعد مرور بعض الوقت تقبَّل وجود الرأس الشبيه برأس الأسد كشيءٍ طبيعي. كان قد
رأى مساجين آخرين يفعلون الأمر عينه، لقد كان الحنين إلى العالم الخارجي.
في ظهيرة ذلك اليوم، قُبَيل انتهاء وقت النوبة لحارس النهار، ظهر الرأس من النافذة
مجدَّدًا، وأمسكت يد آلة التفكير شيئًا من بين القضبان، سقط ذلك الشيء على الأرض والتقطه
الحارس، كان ورقة نقدية من فئة خمسة دولارات.
| hindawi |
|
الفصل الثاني(١) فاتِحُ المَدِينَةِ
فَلَمَّا رَأَى الأَمِيرُ «إقْبالٌ» مَصارِعَ أَتْباعِهِ، وَهَلاكَ قائِدِ جَيْشِهِ،
أَمَرَ أَصْحابَهُ أَنْ يُقْلِعُوا عَنْ مُحاوَلَتِهِمْ، وَقالَ لَهُمْ: «ما لِهذا
الأَمْر غَيْرِي.»
فارْتاعَ أَصْحابُ الأَميرِ وَجَزِعُوا، وَتَفَزَّعُوا مِمَّا سَمِعُوا،
وَتَوَسَّلُوا إلَيْهِ ضارِعِينِ أَنْ يَكُفَّ عَنْ هذهِ المُخاطَرَةِ، وَقالُوا لَهُ
مُسْتَعْطِفِينَ: «تَرَفَّقْ بِنا أَيُّها الأَميرُ، فِإنَّ حَياتَنا رَهْنٌ
بِحَياتِكَ، وَلا سَبِيلَ لَنا إلَى البَقاءِ بَعْدَكَ، فَأَنْتَ دَلِيلُنا وَرائِدُنا،
وَهادِينا وَمُرْشِدُنا.»
فَقالَ الأَميرُ: «لَقَدْ عَزمْتُ عَلَى أَنْ أُدْرِكَ هذهِ الغايَةَ أَوْ أَهْلِكَ
دُونَها، وَلَنْ يُثْنِيَني عَنْ بُلُوغِها شَيءٌ إِنْ شاءِ اللهُ.»
فَلَمَّا رَأَوْا إِصْرارَ الأَميرِ عَلَى عَزْمِهِ، وَعَجْزَهُمْ عَنْ مُقاوَمَةِ
إرادَتِهِ، كَفُّوا عَنْ إِلْحافِهِمْ، واتَّجَهُوا إلَى اللهِ بِدُعائِهِمْ
وَرَجائِهِم.
| hindawi |
|
مشكلة الوحدة التي تضم في ردائها كثرة.
وأما الاتجاه الثَّاني في حل المشكلة، فهو ألا نفرض وجود كائن غيبي وراء الظواهر الكثيرة
ونحاول أن نرد الواحدية التي تجعل من الأجزاء الكثيرة شيئًا واحدًا، إلى شبكة العلاقات التي
تربط تلك الأجزاء بعضها ببعض، فحتى لو تشابهت الأجزاء الصغيرة وتجانست، فهي من كثرة العدد
بحيث نستطيع أن نتصور — على أساس رياضي — ملايين التَّشكيلات الممكنة التي يجوز لتلك
الأجزاء أن تتشكل بها.
وسواء أأخذت بفكرة الجوهر أو بفكرة العلاقات في تفسيرك لواحدية الشيء الواحد، فالأمر الذي يهمنا هو أنك — لا بُدَّ — باحث عن وحدة تضم الأشتات فيما تظنه كيانًا واحدًا، ليس لك في ذلك اختيار، فمن الوجهة العملية لا تستطيع أن تستخدم الأشياء أو تنتفع بها إلا إذا تناولتها من حيث هي وحدات، غاضًّا بصرك عما تحتويه تلك الوحدات من أجزاء تدخل في تركيبها، فالمناضد والمقاعد والكتب والأوراق والأقلام والأشجار وأفراد الناس والمدن والقرى والأنهار والبحار إلخ لا مناص من النظر إليها — في العمل والتعامل — على أنها وحدات، تقول — مثلًا — إنني أعيش في «القاهرة» ولا تبالي أن يكون هذا الاسم مطلقًا على مجموعة كبرى من العناصر والأفراد، يدخلها كل ساعة ألوف الناس ويخرج منها ألوف، وتبنى بها بيوت وتُهدم فيها بيوت، لكنها في العمل والتعامل قاهرة واحدة … ومن الوجهة النفسية لا تستطيع إلا أن تنظر إلى نفسك بكل ما فيها من ألوف الخبرات والتجارب على أنها نفس واحدة، ثم تعود فتخلع واحدية نفسك هذه | hindawi |
|
كان صوت الرجال يقترب، والممر الضيق يُحدِث لأصواتهم صدى يتضخم باستمرار، وسمع الشيطانان
أحد الرجال يقول: هذه مهزلة … ولدان يُحدِثان هذا الاضطراب!
وأخذ «أحمد» و«عثمان» يُحرِّكان الصخرة الثقيلة من مكانها حتى طفر العرق من جسدهما، وأخيرًا
تحركت الصخرة، فدحرَجاها حتى توسَّطت الممر الضيق، وكان الرجال قد اقتربوا حتى أصبحوا على بُعد
نحو عشرة أمتار وصاح أحدهم وهو يُلقي بضوء كشافه إلى فوق: ها هما!
وفي هذه اللحظة أطلق «أحمد» و«عثمان» الصخرة التي نزلت تتدحرج كالصاعقة، وصاح الرجال،
ولكن بعد فوات الأوان، فقد نزلت الصخرة كأنها سيارة مندفعة بكل قوتها تدوس كل مَن في
طريقها.
وصاح «أحمد»: لننتهز الفرصة!
وقفزا وأخذا يجريان خلف الصخرة كأنهما يُطاردانها، وسرعان ما ابتلعهما الظلام وهما يسمعان
الصرخات خلفهما، ولم يتوقفا عن الجري حتى وصلا إلى قاعدة الجبل، ثم وقفا يلهثان.
| hindawi |
|
هذا ومن الحق أن نسجل لتوفيق الحكيم ما قرره هو نفسه من مرونة طبعه وقدرته على التكيف، في
مقال له بعنوان «الحياة هدف وإرادة»، المنشور في أحد كُتبه الأخيرة وهو كتاب «أدب الحياة»،
وهذه القدرة على التكيف هي التي مكَّنته من أن يتطور بفنه نحو الحياة التي يعيشها مجتمعه
ويحاول أن يساهم في تطويرها، فنتج عن ذلك اتجاهه الأخير الذي سميناه الاتجاه نحو المسرح
الهادف.
| hindawi |
|
«الحياة مأساة، والدنيا مسرح ممل، ومن عجب أن الرواية مفجعة ولكن الممثلين
مهرجون» (أحمد عاكف في خان الخليلي).«إذا كنا نموت كالسوائم وننتن فلماذا نفكر كالملائكة. هبني ملأت الدنيا
مؤلفات ومخترعات فهل تحترمني ديدان القبر؟ الدنيا أكاذيب وأباطيل. وما المجد
الا رأس الأكاذيب والأباطيل» (خان الخليلي).«عندما نتحسس موضعنا في البيت الكبير المسمى بالعالم فلن يصيبنا إلا الدوار»
(ميرامار).«يا أي شيء، أفعل شيئًا فقد طحننا اللاشيء» (ثرثرة فوق النيل).«أشقى ما تُصاب به أن تكون ذا قلب حنون وعقل شاك» (السكرية).«الحرية المطلقة طظ، المطلقة … ليكن لي أسوة حسنة في إبليس، الرمز الكامل
للكمال المطلق، هو التمرد الحق والكبرياء الحق والطموح الحق والثورة على جميع
المبادئ» (محجوب في القاهرة الجديدة).«لا قيمة لإنسان مهما علا شأنه. نحن في بلد الفقاقيع» (سعيد الدباغ في السمان
والخريف). | hindawi |
|
وكان الأمر كما قال: أمسك الكلبي عن جوابه فغلب عليه وأفحم الكلبي.ودخل يومًا على أبي جعفر محمد بن علي، فقال له: يا كميت، أنت القائل:وهذا الجواب غاية في أدب النفس؛ فالشاعر لا ينكر أنه مدح بني أمية وإنما يعترف
بأنه لم يُرِد بذلك إلا الدنيا، أما الآخرة فقد أرادها بمدح أهل البيت.ولنتذكر أنه قال هذا القول بمسمع من بني أمية، وبأيديهم مفاتيح الخزائن ومقاليد
السجون؛ فهو منهم بين الرجاء والخوف، ولم يمنعه ذلك الموقف الحرج من التصريح بأنه
لم يمدحهم إلا للدنيا الفانية، وهذا التصريح هو في ذاته قصيدة هجاء، وهل ينكر أحد
أن الاعتراف يهدم الاقتراف؟على أنه إن صح أن الشعر دليل على وجدان الشاعر، فسيبقى من شواهد صدقه أن شعره في
الهاشميين أقوى من شعره في بني أمية، فليست أشعاره في الأمويين إلا قصائد مديح لها
نظائر وأمثال في اللغة العربية، أما قصائده الهاشميات فهي أعز من أن يكون لها نظائر
وأمثال. | hindawi |
|
إلا أنه من الخطأ أن نتصور أن الحرب العالمية الأولى — التي أسفرت عن أوسع دمار
ثقافي، وأوسع موجة من القتل الجماعي في أوروبا منذ حرب الثلاثين عامًا — تسببت فيها
عملية اغتيال واحدة، بل يعود سببها الأساسي — ولكنه ليس السبب الوحيد
— إلى دبلوماسية التحالف التي نشأت على مر سنوات
طويلة بين ألمانيا والنمسا وإيطاليا من جهة، وبين فرنسا وروسيا من جهة أخرى. وقد كانت
هذه التحالفات المُورِّطة هي ما صنعت النظام العالمي الهش الذي انهار عندما اندلعت
الحرب — أو بالأخص عندما أعلنت الإمبراطورية الروسية تعبئة جيوشها — وخاضت القوى العظمى
الحرب، باستثناء إيطاليا التي انتظرت للمراهنة على الحصان الرابح الذي تتحقق معه
مصالحها. وحتى نفهم هذه السلسلة، ونفهم العقلية الألمانية على مشارف الحرب العالمية
الأولى، لا بد أن نبدأ من صعود بروسيا-ألمانيا إلى مراتب القوى العظمى في القرن التاسع
عشر.
(٢) الدور الفريد للجيش الألماني | hindawi |
|
قطع من كتاب الأدب الكبيرفي السلامةفي الحث على الجدفي أدب الاستماع
مثل هذه الجمل في كلام ابن المقفع كثير جدًّا تجدونه في الأدب الكبير، والأدب الصغير،
وكليلة ودمنة، ورسائله الخاصة التي كان يرسلها إلى إخوانه.
عود إلى المفاضلة بين عبد الحميد وابن المقفع
وليس هذا يطعن في كفاية ابن المقفع ولا مقدرته الخاصة، فقد كان يكتب في أول عهد النثر
الفني بالوجود، فليس غريبًا ألا يستقيم له النثر كما كان يستقيم لرجل كعبد
الحميد.
وليس ابن المقفع بدعًا في هذا، فكتَّاب اليونان كانوا على مثل ما كان عليه ابن المقفع
من ضعف في التعبير؛ لأنهم لم يتعودوا أداء هذه المعاني من قبل، فليس على ابن المقفع حرج
في أن تضطرب لغته وتستعصي عليه، وإنما الحرج على الذين يريدون أن يتخذوا ابن المقفع
مثلًا وآية للبلاغة دون إمعان أو روية.
وأنا أنصح لطلاب الأدب أن يحتاطوا عندما يريدون أن يتخذوا ابن المقفع نموذجًا للتعبير
والبلاغة.
| hindawi |
Subsets and Splits